اشتدت حرب الوثائق بين المؤتمر الوطني وحكومة الشمال من جهة، والحركة الشعبية وحكومة الجنوب من جهة أخرى، وأعادتنا مرة أخرى إلى أجواء التوتر والعصبية.
يناير 2011 : ريك مشار (في الوسط)، نائب رئيس حكومة جنوب السودان، خلال حفل التوقيع على اتفاق وقف اطلاق النار مع قوات المتمردين من جورج العامة.
وتحاول الحركة إثبات أن حكومة الشمال تدعم الحركات المتمردة في الجنوب، وعلى رأسها حركة الجنرال جورج أطور، بينما تنفي الحكومة ذلك وترد بحرب مماثلة.
فيصل صالح
قيمة الوثائق، إن صحت، في تسجيل موقف قانوني قوي، ربما تتبعه شكوى أمام الجهات الراعية لاتفاق السلام، أو المنظمات الإقليمية والدولية، لكن القراءة السياسية وتحليل المواقف لمعرفة ما إذا كان طرف سياسي يدعم أطراف متمردة في أماكن أخرى، لا يحتاج لوثائق بقدرما يحتاج لمعرفة بالمواقف السياسية وطريقة تصرف الأطراف الأخرى وسوابقها. وبهذه القراءة لا يستبعد المرء إمكانية دعم الحكومة السودانية لأطراف متمردة في الجنوب، مثلما لا يستبعد أيضا دعم حكومة الجنوب لأطراف متمردة في دارفور ومناطق أخرى.
وأي قراءة لسلوك الأطراف المختلفة سيؤيد هذا الزعم، فرغم الخطابات السياسية المنمقة في اللقاءات الجماهيرية والمؤتمرات، والحديث الناعم هنا وهناك، إلا أن العقلية المسيطرة للأسف الشديد، هي عقلية متشابهة تستثمر في الفتن والشقاقات، وتعتقد أن مصلحة كل طرف في عدم استقرار الطرف الآخر.
لكن أخطر ما في الأمر هو أن الحركة الشعبية تجتر تجربة خصمها اللدود المؤتمر الوطني، وتمضي في اثره، حذوك النعل بالنعل، في صرف الأنظار عن المشاكل الداخلية ومسبباتها، والقاء اللوم على المكون الخارجي، الدافع والمحرك من وراء الستار. تحاول الحركة الشعبية إغفال أن في الجنوب كم كبير من المشاكل ورصيد من الأزمات يمكن استثماره في أية لحظة، من الخلافات والتحيزات القبلية، لانتشار السلاح ووجود الميليشيات ، للفساد الحكومي واضطراب جدول الأولويات، للقصور البين في الإمكانيات مقارنة بالطموحات والآمال الكبيرة التي يحملها شعب الجنوب. في ظل مثل هذه الظروف تحتاج القيادة السياسية للحكمة والتبصر والحنكة السياسية للعبور فوق حقل الألغام، والعمل اليومي الدؤوب لمواجهة جذور المشاكل.
لا يتوقع أحد أن تحل هذه المشاكل بين يوم وآخر، ولا أن تظهر ثمار المعالجات قريبا، لكنه يتوقع سلوكا سياسيا يعترف بالمشاكل ويعمل على مواجهتها، بدلا من استلاف نظرية المؤامرة وتعليق المسؤولية على الاطراف الخارجية. لقد ظل المؤتمر الوطني يستخدم هذا التفسير في أزمة دارفور، وصدق نفسه وصدقته بعض الأطراف الإقليمية، في أن كل أزمة دارفور تتلخص في تآمر خارجي من بعض الدول العظمى. وكانت النتيجة أن تم اهمال كل طرق المعالجة الراشدة، وإضاعة فرص الحل عندما كان ميسورا، بالاعتراف بالمشاكل والأخطاء الحقيقية والعمل على معالجتها، حتى تفاقمت الأزمة وتدولت حقيقة ولم يعد أحد قادر على إمساكها من قرونها.
لمزيد من المعلومات إقرأ : تجدد الاشتباكات في أبيي يحصد 70 قتيلا
ليس للجنرال جورج أطور تاريخ مع الشمال، عموما، وهو قائد تاريخي بالحركة الشعبية والجيش الشعبي، وبدأ تمرده لأسباب داخلية، بعد الانتخابات. ومن الممكن متابعة وتحليل أسباب تمرده واستمرار حربه ضد حكومة الجنوب ورده لما حدث أيام الانتخابات من انتهاكات، ثم الطبيعة القبلية لتكوين الجيش الشعبي والتسيب وغياب الانضباط في صفوفه، مع إهمال حكومة الجنوب للتمرد في بدايته والاعتماد على دحره بالإجراءات الأمنية والعسكرية. هنا مكمن الأزمة، وهنا أيضا يكمن الحل، أما دعم حكومة الشمال له، وهو عندي ظن غالب، فهو أمر طارئ يمكن وقفه عبر حل الأزمة من جذورها ...وكفى.
كتب: فيصل صالح
الآراء الواردة في هذا التقرير لا تعبر بالضرورة عن رأي الناشر أو عن رأي الموقع www.theniles.org