للنساء فقط - حفلات الجرتق وقطع الرحط قد تندثر

الخرطوم - الجرتق وقطع الرحط في السودان تعود لعقود مضت، إلا أنها تبدأ في الاندثار نظرا لاختيارات الشباب السودانيين الذين يبتعدون عن هذه التقاليد.

تقاليد الجرتق كثيرة من بينها شرب الحليب الصافي.
© ياسر حمدي

اعتلت العروس حنان عبد الرحمن ذات الأحد وعشرين ربيعا، سرير الجرتق العالي المغطي بقماش القطيفة الفاخر الناعم، دون أن ترفع عينيها الخجولتين إلى عشرات النسوة اللاتي تجمعن في شكل دائري حول السرير، وهن يحدقن فيها ليشهدن طقوس ومراسم جرتقها قبل أن تزف إلى عريسها الواقف إلى جوارها، استعدادا لقطع رحطها.

جلست حنان وهي ما تزال مطرقة على مخدة السرير الناعمة، وكأنها ملكة تجلس على العرش ولكن بدون حول ولا قوة.

فحنان مستسلمة تماما لجداتها وخالاتها وهن يضعن خليط العطور والزيوت على رأسها وبعض أطراف جسدها.

”وقوف العروس عارية يشير إلى متانة صحتها“
امرأة سودانية في السبعين من عمرها
ثم طلبن منها أن تقف وسط السرير حتى يشهد الجميع جمالها وزينتها، ثم ليقطع العريس رحطها الذي ارتدته فوق فستانها الطويل وينثر حباته على الصبايا والفتيات حولها، كنوع من الفأل بقرب زواج من تسقط عليهن هذه  الحبات ويلتقطنها.

والرحط عبارة عن تنورة قصيرة أو لباس داخلي من خيوط أو شرائح الجلد الطبيعي مرصوصة فوق خيط كأنه حزام  تلبسه العروس ليستر عورتها. في العادات السودنية، لا تلبس العروس مع الرحط أي شيئا آخر. ويربط في هذه الخيوط حبات من الحلوى أو البلح.

ويعمد العريس إلى جر وشد إحدى هذه الخيوط فيسقط الرحط كله وتقف العروس عارية حتى يشهد الجميع جمالها وفتنتها. ويسرع العريس  ليغطي عروسه بثوب مخملي من الحرير الأصلي يسمى القرمصيص.

وأسرت حنان إلى صديقتها بجوارها، كيف أنها لا تستطيع أن تتحمل هذا الموقف وهي في كامل ملابسها، في حين أن جداتها سابقا كن يقفن عاريات تماما في مثل موقفها هذا.

ويصف البروفسور عبد الله الطيب في مقالات كتبها  في سنوات منتصف القرن الماضي حفلات قطع الرحط والجرتق بأنها كانت سابقا تتم ”ظهرا بعد الدخلة وقطع الرحط بعد الجرتق“.

يفسر الطيب أن العريس ”يذهب إلى منزل والدته،  ثم بعد ذلك تذهب معه أخواته  وقريباته وجاراته  لمنزل العروس“.


iتجذب تقاليد الجرتق الاجانب كذلك، 11 أبريل.
© النيلان | أمنية عباس
يجلس العريس على العنقريب، مزينا وتفوح منه روائح الدلكة والبخور، ثم  ”يقف رافعا سيفه المجلد بجلد التمساح، وسوطه المصنوع من جلد الخرتيت، وينال وزيره قليلا من الجرتق بالصندل والمحلب، وهو يحمل أيضا سيفا وسوطا“.

بعد ذلك ترتفع أصوات الضرب على الدلوكة والشتم، وتبدأ النساء في الرقص.

وترقص العروس مغطية وجهها باليد اليمني وتضع اليسرى على أردافها ، يقوم العريس برفع يدها، خائفا من حدوث ’القون‘، وهو أن تسقط العروس  على الأرض في غفلة منه. وكلمة ’القون‘ مستمدة من لعبة كرة القدم وتعني الهدف.

البعض من هذه التقاليد بدأت تندثر. حيث أن ولم يعد الجرتق يستهوي العديد من عروسات اليوم، إذ يكتفين بالجلوس على السرير ووضع القليل جدا من العطور والزيوت خوفا من أفساد زينتهن خاصة وأنهن سيغادرن مكان الاحتفال فورا.

في السابق كانت العروس تلبس الرحط فقط بدون أي ملابس، عند قطع الرحط تكون عارية تماما، ومن ثم تسقط علي الأرض وتغطي بثوب القرمصيص.

تلقيت هذه المعلومة من ثلاثة شيوخ أجلاء، ومن امرأة  تبلغ السبعين من عمرها قالت بأنها نفسها عاشت هذه التجربة.

والدتي ”وقفت عارية تماما في زمانها وأن جدتها قد وقفت بل ورقصت أيضا وفقا لعادات جيلها“
عواطف محمد محي الدين
قال لي  علماء الدين الثلاثة بأن الرحط هو ”من مخلفات الجاهلية“، أما المرأة العجوز فقالت  بأن ”وقوف العروس عارية يشير إلى متانة صحتها“. ولم تر العجوز غضاضة في وقوف العروس عارية .

ولا يشهد حفلات الجرتق وقطع الرحط إلا النساء القريبات وخاصة كبيرات السن من الجدات والأمهات والخالات من جهة العروس والعريس ويكون عادة في بيت العروس. والعريس هو الرجل الوحيد الذي يسمح لها بالحضور، وسط هولاء النسوة اللاتي جئن لرؤية مفاتن زوجته والتأكد من جمالها.

ويقول  عبد الله الطيب إن العادات الاجتماعية التي كانت تمارس ”من قبل السودانيين الذين يعيشون على طول نهر النيل أو بالقرب منه في السودان على مدى القرن الماضي، تغيرت بعضها  بسبب متغيرات الزمان وتقلبات العصر وحوادثه، ولا يزال بعضها يمارس حتى اليوم في بعض أجزاء من السودان وخاصة في ريفه“.

لكن هذه العادات والطقوس لم تتغير هكذا مرة واحدة بل مرت بعدة تغيرات، إذ تتذكر عواطف محمد محي الدين، وهي أمرأة في الخمسين من عمرها وسليلة أحدى الأسر العريقة بمدينة أمدرمان، أنها لبست الرحط  عند زواجها ولكنها كانت تلبس فستانا يكشف كل مفاتنها وزينتها من فوقه وأن زوجها قطع الرحط من تحت الفستان، وقالت أن ”كل ذلك يخالف العادات المتعارف عليها سابقا“.

وتقول أنها لم تر بأسا في ممارسة ذلك إذ كانت هذه هي العادات السائدة في ذلك الوقت وتضيف ضاحكة إن والدتها أخبرتها ”أنها قد وقفت عارية تماما في زمانها وأن جدتها قد وقفت بل ورقصت أيضا وفقا لعادات جيلها“.

”لا أؤمن بطقوس الجرتق ولم أكن أحرص على فعلها لبناتي“  نبوية محمد علي

وجزء من حفلات الجرتق وطقوسه إعطاء العريس لعروسه ملء يديه من حبوب الذرة يكون قد تم إعادة تزريعها وإنباتها في بيت العروس. ثم ترد العروس هذه الحبوب إلى العريس و يتكرر هذا الأخذ والعطاء سبع مرات بينهما، دليلا على التفاؤل بحدوث البركة والنماء والخير في زواجهما.

وكذلك شرب الحليب الصافي، حيث يشرب كل من العريس والعروس بعضه ثم يرش الباقي على الأخر دليلا على صفاء النية والإخلاص بينهما.

ويتكرر هذا المشهد ثلاث مرات. ومن يرش الآخر كثيرا يكون غالبا في حبه وإخلاصه لشريكه.

ويحدث ذلك وسط الحض والتشجيع من أهل كل طرف لصاحبه. وعادة ما يتخلل ذلك الضحكات والمرح والسخرية من الشريك المغلوب.

ويصحب كل هذه الطقوس أغاني أشبه بالدعوات الصالحات تغنيها النساء الكبيرات من الجانبين ثم يرددنها خلفهن جميع النساء الحاضرات.
ولكن هذه العادات الطيبة والمحببة لم تعد تجذب الكثير من الأسر الحديثة، بل وحتى القديمة.

تقول نبوية محمد علي، امرأة في نهاية العقد السابع من عمرها: ”لا أؤمن بطقوس الجرتق ولم أكن أحرص على فعلها لبناتي، وإذا فعلت تحت رغبة البعض، فأكتفي يوضع العطور وشرب الحليب الصافي اللذيذ“.

وبالنسبة لكثير من الفتيات، فإن حفلات الجرتق وقطع الرحط أصبحت تعني اليوم مناسبة ولمة للمرح واللهو وإزكاء وتشجيع المنافسة بين العروسين سواء عند الرقص أو شرب الحليب.


الآراء الواردة في هذا التقرير لا تعبر بالضرورة عن رأي الناشر أو عن رأي الموقع www.theniles.org

رسالة إلى المحرر | اتصل بالصحفي

Email this page to someone

Recipient's email address:

Your name:

Your email address:

Subject:

Cancel