محمد أحمد سالم: معظم الدساتير السودانية جيدة لكن العبرة في التطبيق

الخرطوم - في هذا الحور يتحدث القانوني محمد أحمد سالم حول الدستور، ماهيته، أنواعه وعدد الدساتير التي مرة بها السودان.

القانوني محمد أحمد سالم.
© النيلان | عائشة السماني

انتهت صلاحية الدستور الآن حسب الاتفاقات وقد انتهت مدته منذ العام الماضي فقد تم الاتفاق على الحكم بالدستور المؤقت منذ العام 2005 وحتى العام 2011.

وقد أعلنت الحكومة أنها بصدد وضع دستور دائم للبلاد. والدستور قطعا لا يخص الحكومة وحدها إنما هو للشعب ويجب أن يكون من الشعب. ولشرح ذلك التقينا الخبير القانوني.

مولانا محمد احمد سالم، القانوني الضليع، الذي عرف عنه انه مرجع مهم في القانون الدستوري والممارسة البرلمانية، وقد أرسى تجربة رائدة وتحلى بمهنية عالية إبان توليه منصب مسجل الأحزاب والتنظيمات السياسية مجمع عليها.

يشغل الآن محمد أحمد سالم منصب المستشار القانوني للمجلس الأعلى للحكم اللامركزي في الخرطوم. يدور هذا الحوار معه حول الدستور ماهيته، وأنواعه وعدد الدساتير التي مرة بها السودان وغيرها من المحاور.


س: ماهو الدستور؟


ج: الدستور كلمة فارسية وليست عريية تعني النظام الاساسي أو القوائم فهو مثل العمارة تقوم على الأعمدة.
 
والدستور يجب أن يكون عقدا اجتماعيا وسياسيا بين الشعب الذي يتعلق به الدستور. فالناس تتفق في هذا العقد او الوثيقة على كيفية حكم البلاد والمبادئ الاقتصادية والسياسية وعلي المقومات الاقتصادية وعلى القيم والتوجهات.

الدستور هو الوثيقة بين أية أمة تحدد فيه ما هو نظامها السياسي والاقتصادي هل هو اشتراكي أو رأسمالي، هل هي دولة ملكية؟ هل هي دولة جمهورية؟ ويحدد فيه وضع الحريات. وهل النظام اتحادي أم مركزي.

والدستور هو القانون الأسمى والأعلى في البلاد لانه يسود على أي قانون أو قرار.

أي سياسة تتخذ مخالفة للدستور تعتبر باطلة فالدستور هو قياس المشروعية تقاس به صحة الاشياء من عدمها لذا أنشأت المحكمة الدستورية لكى تلغي اي قرار يصدر مخالفا للدستور.

ويحدد الدستور شكل الدولة والنظام الإداري لها والسلطات العامة التشريعية، أي البرلمان، السلطة القضائية، أي المحاكم، والتنفيذية أي مثلا كيفية اختيار الرئيس والعلاقات بين السلطات العامة. ويجب أن يتضمن الدستور بابا عن الحريات الأساسية وواجبات المواطن وحقوقه.

س: ما هي مصادر الدستور وأنواعه؟

الدساتير أنواع كثيرة ويتطلب أن تكون الدساتير مكتوبة او عرفية. والآن معظم الدساتير في العالم مكتوبة مثل الدستور السوداني المكتوب في وثيقة واحدة. أما الدستور العرفي فهو غير مكتوب وخير مثال له هو الدستور البريطاني إذ في بريطانيا لا يوجد دستور في وثيقة واحدة بل هو عبارة عن قوانين أساسية زائد أعراف وتقاليد يحافظ عليها الشعب البريطاني والقوى السياسية والملك.

الدستور البريطاني عرفي فيه قانون للبرلمان وآخر للعدل وهكذا وهي مجتمعة تكون الدستور لكن لا توجد وثيقة مكتوبة مستقلة بها كل الأحكام هذا هو الدستور العرفي. والدساتير تصنف مكتوبة أو عرفية، مرنة أو جامدة فالدستور المرن هو الذي يمكن تعديله مثله مثل أي قانون اخر أما الجامد هو الذي يحتاج الى إجراءات صعبة والى أغلبية خاصة لتعديله.

مثلا إذا قلت إن الدستور لا يعدل إلا بثلاث أرباع أعضاء البرلمان أو باستفتاء جماهيري هذا نطلق عليه دستور جامد. والمفروض أن يكون الدستور جامدا لكي لا يستهان به لأن الدستور ليس قانونا عاديا.

الطريقة الصحيحة هي ان يكون الدستور جامدا يصعب تعديله لأنه إذا اصبح عرضة للتعديل المستمر يكون يفقد قدسيته واحترامه. كذلك توجد دساتير ملكية وجمهورية مثلا ما يسمى بالملكية الدستورية مثل ملكة بريطانية هي موجودة لكن لا تحدد السياسة فوجودها كتقليد وهو احترام للشعب البريطاني ولأجداده الذين بنوا مجد بريطانيا.

وفي هولندا ملكة، لكن توجد ديمقراطية حقيقية فالملكة لا تتدخل في شيء. والدستور يكون يعكس ملكية دستورية في هذه الحالة أو يعكس ملكية حقيقية مثل المغرب أو الأردن.

س: ما هو الفرق بين الدستور والقانون؟

ج: الفرق بينهم هو أن الدستور نحن نسميه القانون التأسيسي فالبرلمان الذي يصنع الدستور نسميه الجمعية التأسيسية فإذا لم تكن فيه صناعة دستور نسميه برلمان. فالدستور ابو القوانين لكن القانون يتعلق بجزئية بسيطة جدا.

الدستور هو نظام الحكم في البلد ويعنى بالقضايا الكبرى والقانون يعنى بقضية كقانون الصحة مثلا. والقانون يجاز بنصف الأعضاء بينما الدستور يطلب أغلبية عظمى. القانون يوقع عليه الرئيس لكن الدستور يحتاج الى استفتاء الشعب.

مخالفة القانون بسيطة لكن مخالفة الدستور مخالفة جثيمة فالدستور قانون أسمى يعلو ولا يعلى عليه.

س: كم عدد الدساتير التي مر بها السودان إلى الآن؟

ج: مر بكثير! أول دستور كان هو دستور الحكم الثنائي وهى أول وثيقه وضعتها بريطانيا ومصر لحكم السودان بعد سقوط دولة المهدية.

ثم جاء بعدها دستور الحكم الذاتي لسنة 1953 وضعه الانجليز بواسطة لجنة من الخبراء السودانيين يرأسها ضابط انجليزي اسمه استاند بيتر. وهذا الدستور هو ابو الدساتير السودانية عمل في فترة الحكم الذاتي من 1953 الى 1955 وكانت مهمته أن يهيء السودانيين ويدربهم لفترة ما بعد الاستقلال على كيفية عمل انتخابات ومجلس وزراء والبرلمان اي تدريب السودانيين على حكم انفسهم.

فعندما جاء الاستقلال في 1956 خط دستور السودان المؤقت لسنة 1956 أول دستور سوداني في ظل الاستقلال. ولأن زمن إعداده كان ضيقا، قامت القوى السياسية بعمل بعض التعديلات في دستور 1953 فبدل السودان المصري البريطاني سمى السودان المستقل اي عملوا تعديلات بسيطة وتبنوا نفس بنود دستور 1953 وسمي المؤقت لسنة 1956.

بعد ذلك جاء انقلاب عبود في 1958 وعطل كل الدساتير وكانت تحكم البلاد بأوامر جمهورية من المجلس الأعلى للقوات المسلحة.

وفي 1964 جاء ثورة أكتوبر أعادت العمل بدستور 1956 وسموه دستور 1964.

وفي 25 مايو 1969 جاء انقلاب مايو والغي الدستور وفي السنوات الأولى ظل يحكم بأوامر عسكرية.

وفي سنة 1973 عمل نميري دستور السودان الدائم الذي استمر حتى 1985 إلى انتخابات أبريل وفي نفس العام اعد المجلس العسكري (ناس سوار الذهب مع مجلس الوزراء) دستور وافقت عليه القوى السياسية وسمي بالدستور الانتقالي لسنة 1985.

وفي 30 يونيو 1989 جاء انقلاب الإنقاذ وعطل الدستور ونفس الشي ناس الإنقاذ كانقلاب عبود ونميري ظلوا يحكمون البلاد بأوامر عسكرية حتى عام 1998 عملوا دستور واستمر حتى جاءت اتفاقية نيفاشا في 2005.  وعمل الدستور الموجود حاليا وسمي دستور السودان الانتقالي لسنة 2005 وهو عبارة عن اتفاقية نيفاشا بين الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني. الآن مدة هذا الدستور انتهت في 2011. إذن السودان حتى الآن حكم بثمانية دساتير.

س: على ماذا تدل كثرة الدساتير؟ ولماذا لم يستطيع السودان عمل دستور دائم؟

من إشكالياتنا الكبيرة فشلنا في إعداد دستور دائم، فكل نظام يأتي يلغي الدستور السابق. لم يأت نظام حاول أن يبني على إيجابيات الآخر ويعدل السلبيات.

أمريكا الآن فيها دستور عمره 200 عام في اليابان عمره 300 سنة. استقرار الدستور من العلامات الصحية ومعناه أن البلد متحضرة ومستقرة، فكثرة الدساتير وتعديلاته وإلغاءه تظهر عدم استقراره. والسبب في ذلك أن كل نظام يأتي يريد أن يظهر أن الحل عنده هو وكل الذي مضوا كانوا مخطئين. والآن نحن نأمل ان يكون الدستور القادم يحقق الاستقرار.

س: هل الدساتير التي مرت على السودان بها خلل؟ وإن وجد، أين مواضع هذا الخلل؟ وكيف يمكن تجنبه؟

ج: كل الدساتير كانت صياغتها ممتازة والمبادئ التي بها عظيمة ومواكبة مع التطورات الدولية. مثلا دستور نميري لسنة 1973 كان راقيا جدا وفيه الديمقراطية والحريات والعدالة والشورى واستقلال القضاء وحقوق الإنسان. لكن عندما نأتي للتطبيق، يختل الدستور بتدخل المؤثرات السياسية فيكون تطبيق منحازا لصالح الدولة أو لصالح السلطة.

مثلا، إذا الإنسان طالب بحرية لا تعطى له، إذن مشكلة الدساتير ليس في محتوياتها فمعظم الدساتير السودانية من حيث المحتويات والصياغة صاغوها علماء واتفق عليها سياسيون وهي جيدة، لكن العبرة في التطبيق فهو يكون مختلفا تماما مع ما هو مكتوب في الدستور.

س: الآن رئيس الجمهورية يتحدث عن عمل دستور إسلامي. أهذا معناه ان الدساتير الماضية ليس لها علاقة بالاسلام؟ وماهو الاختلاف؟

ج: إن الدساتير الماضية تحتوي على المبادئ الإسلامية ففي دستور 1989 الذي أعدته الإنقاذ فيه مادة عن التدين وفيه تأصيل، لكن الرئيس في فهمي انه يقصد ان يكون مبنيا علي الشريعة الإسلامية لأن الآن بعد انفصال الجنوب أصبح 98 في المائة من سكان السودان مسلمين لذا الرئيس يريد أن يكون للدستور توجه إسلامي. مثلا في الماضي حرمت الخمر لكن أوجدت مادة في اتفاقية نيفاشا تتحدث عن احترام حقوق غير المسلميين وانت مانع الخمر، لذا كونت مفوضية حقوق غير المسلمين لكي تحميهم. في السابق كان يجب مراعاة ذلك لكن الآن الأغلبية العظمى مسلمين لذا يمكن أن يستمد الدستور من تعاليم الإسلام السمحة.

س: هل يوجد فرق بين ما جاء في الإسلام والمواثيق الدولية التي تتحدث عن حقوق الانسان وغيره؟

ج: لا يوجد. أنا شخصيا أدرس في الجامعة مادة عن حقوق الإنسان في الإسلام وأقارن بين الإسلام والمواثيق الدولية حيث لا يوجد تعارض في المبادئ الكبيرة بل في جزئيات صغيرة.

الإسلام متقدم وسبق الاتفاقيات الدولية في حقوق المرأة الطفل والإنسان وحتى الحيوان، فالحديث الشريف اورد ذلك حينما قال ’في كل كبدة رطبة اجر‘ و’دخلت امرأة النار بسبب قطعة حبستها حتى ماتت‘.

الإسلام منع التعذيب والسخرية وهناك شعوب قصدت الإسلام بسبب عدالته وإنسانيته في بلاد لم تصلها الجيوش الإسلامية. الهند وإندنوسيا مثلا قصدوا الإسلام.

فالإسلام سابق في عدالته نحو الإنسان للمواثيق الدولية لكن توجد مواضع فيها تعارض مثل سيداو عملت مساواة بين الرجل والمرأة نحن نرى في الإسلام الرجل والمرأة متساويين لكن غير متخاصين مثلا نحن لا نستطيع أن نساوي بين الرجل والمرأة في الميراث لان الرجل أعطي الضعف لأنه عليه الإنفاق.

بوجه عام الإسلام متقدم على المواثيق الدولية ولا يوجد بينهم تناقض كبير التناقض فقط في جزئيات محددة السبب تأثر المواثيق بالقيم الفرنسية والأمريكية لهم الأغلبية وهم مؤثرين ومرروا ذلك. فيما عدا ذلك لا يوجد تناقض في الشورى، العدالة، استقلال القضاء ونزاهة الحكم، بل الإسلام سابق.

س: ما هو الفرق بين الدولة والحكومة؟ لماذا يخلط البعض بينهم؟

ج: من المهم جدا أن نفرق بين الدولة والحكومة بين الوطن والحزب الحاكم.  أن تعارض الحكومة أو تؤيدها ممكن لكن دون أن تضر الوطن، والخلط ناتج من عدم وجود ثوابت وطنية.

الأحزاب في فلسطين مثلا تتصارع لكن لا تختلف حول الوطن فلها موقف واحد حول المستوطنات لكنهم يختلفون في آرائهم.

كذلك فأمريكا عندها ثوابت حماية إسرائيل حماية النظام الرأسمالي وأي رئيس أمريكي لا يحيد عنها، ممكن أن يختلفوا في التفاصيل فقط.

نحن ندعو لثوابت وطنية للدفاع عن الوطن. مثلا احتلال هجليج قضية وطن وليس قضية مؤتمر وطني فالخلط بين الحكومة والدولة تجعلك تخون الوطن مع الأجنبي.

نحن في السودان نحتاج لثوابت وطنية وأنا ألخصها في الآتي: عدم الاستعانة بالأجنبي، عدم اللجوء للعنف سواء الحكومة أو المعارضة، الاتفاق على المؤسسية والحرية عدم التضييق على الشعب. أعتقد هذه الثوابت إذا اتفقنا عليها لن توجد أي مشاكل وسوف نحافظ على الدولة مهما اختلفنا مع الحكومة.


الآراء الواردة في هذا التقرير لا تعبر بالضرورة عن رأي الناشر أو عن رأي الموقع www.theniles.org

رسالة إلى المحرر | اتصل بالصحفي

Email this page to someone

Recipient's email address:

Your name:

Your email address:

Subject:

Cancel