أبيي بين السودان وجنوب السودان: جولة جديدة للتفاوض بمعطيات قديمة

بدأت المفاوضات المباشرة بين السودان وجنوب السودان يوم الاثنين 4 يونيو\حزيران الماضي. تؤثر معطيات ملف أبيي القديمة على مسلسل هذه التفاضات، بينما يبقى سكان المنطقة أول الخاسرين في هذه الأزمة.

صبية من رعاة الأبقار في أبيي. سبب النزاع حول أبيي بين السودان وجنوب السودان المعاناة لسكان المنطقة، الذين لم يعد باستطاعتهم التحرك بحرية في أرضهم.
© النيلان | محمد هلالي

أعلنت حكومة السودان اكتمال إعادة انتشار قواتها خارج منطقة أبيي، والإبقاء على قوات للشرطة هناك إلى حين تكوّن قوات الشرطة المشتركة بين السودان وجنوب السودان في المنطقة. وقد أكدت الأمم المتحدة سحب القوات السودانية من المنطقة، حسب وكالة رويترز في 30 مايو\‎أيّار الماضي.

"إن قوات من الشرطة يبلغ عددها 196 شرطياً مسلحين بأسلحة عادية، ستبقى إلى حين تكوين إدارة مشتركة للمنطقة المتنازع عليها ولحماية بئر نفط داخل أبيي".
الصوارمي خالد سعد
وقال الناطق الرسمي باسم الجيش السوداني، الصوارمي خالد سعد، أن القوات المسلحة أكملت إعادة انتشارها خارج منطقة أبيي، وزاد: "إن قوات من الشرطة يبلغ عددها 196 شرطياً مسلحين بأسلحة عادية، ستبقى إلى حين تكوين إدارة مشتركة للمنطقة المتنازع عليها ولحماية بئر نفط داخل أبيي."

ورحب مجلس الأمن الدولي في بيان له تزامن مع هذا الإعلان، بانسحاب قوات البلدين من منطقة أبيي، وطلب من حكومة السودان سحب الشرطة، وسط تحذيرات من وجود توتر عال بين الخرطوم وجوبا.

ومن جانبه قال سفير السودان لدى الأمم المتحدة، دفع الله الحاج علي عثمان، إن حكومته ملتزمة تماما "بإكمال الانسحاب"، لكنه أضاف إن بئري "بليلا ودفرا" للنفط يقعان داخل الأراضي السودانية، وإن قوات الشرطة ستبقى هناك "لحماية البنية التحية لنفط حكومته"، على حد تعبيره.

وفي ذات السياق قالت سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة سوزان رايس أنه يفترض أن تغادر قوات الشرطة السودانية منطقة أبيي، مشيرة في ذات الإطار إلى أن الحكومة السودانية لم تعلن نيتها سحب شرطة النفط.

ويأتي ذلك في وقت أبلغ كبير مفاوضي جنوب السودان، باقان أموم، الصحفيين في أديس أبابا أن "حكومة السودان تخدع المجتمع الدولي بإعلانها الانسحاب"، ودعا مجلس الأمن الدولي إلى إتخاذ تدابير ضد السودان، دون أن يفصّل في ذلك.

الجدير بالذكر أنه قبيل بدء هذه المفاوضات، وفي إطار إبداء حسن النية وإعلان الجاهزية لخوضها، قامت حكومة الجنوب بسحب قواتها النظامية من أبيي في الحادي عشر من شهر مايو، مهددةً في ذات الوقت بإجتياحها إذا لم تقم الخرطوم بذات الخطوة. وكان الخامس عشر من شهر مايو المنصرم هو أقصى حدود هذا التهديد كما جاء على لسان مسؤول ملف أبيي بحكومة الجنوب، لوكا بيونق، الذي قال في تصريحات صحفية: "قواتنا يمكن أن تجتاحها (أبيي)".

"حكومة السودان تخدع المجتمع الدولي بإعلانها الانسحاب"
باقان أموم

بيد أن حكومة السودان كانت قد رفضت سحب قواتها من المنطقة التي تسيطر عليها منذ عام إلا بعد أن يتم انشاء جهاز إداري مشترك.

وجاء هذا الموقف عقب دعوة وجهها الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، إلى الخرطوم لسحب قواتها من المنطقة المتنازع عليها بعد ان سحبت جوبا قوات الشرطة التابعة لها من هذه المنطقة.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية السودانية، العبيد مروح، إنهم ملتزمون بالانسحاب من ابيي، الا أنه أكد على ضرورة إنشاء جهاز إداري مشترك أولاً، وينص الإتفاق الذي يعنيه محدثي على أن يرأس واحد من ثلاثة مرشحين من الحركة الشعبية لتحرير السودان إدارة المنطقة، وكما ينص على أنه يتعين على الحكومة السودانية الموافقة على أحد مرشحي حكومة جوبا، يتعين عليها بدورها الموافقة على أحد مرشحي السودان لمنصب نائب رئيس الادارة.

وفي هذا الصدد، قال مروح إن جنوب السودان رفض مرشحيهم بينما قبلوا هم المرشحين الجنوبيين. وأضاف أنه لم يتم وضع آلية للمراقبة بعد، مطالباً الأمم المتحدة بالكف عن ما أسماها بـ”الانتقائية“، مشدداً على ضرورة أن تطالب بالتطبيق الكامل للبروتوكول.

وكانت الإشارات بصورة عامة قبيل الشروع في المفاوضات المباشرة الجديدة بين الطرفين، التي بدأت يوم الاثنين 4 يونيو\‎حزيران، تحمل في طياتها توقعات بتغييرات كبير، وذلك نسبة لأنها تأتي بعد مناوشات ومعارك ضارية بين جيشي الدولتين، كبدت الجانبين خسائر فادحة، بالإضافة إلى أنها عطلت هذه المفاوضات ذاتها التي كان من شأنها حسم قضايا هامة جداً على رأسها تأتي الترتيبات الأمنية والحدود بين الدولتين. هذه الحدود تحديداً هي التي بها المنطقتين الغنيتين بالنفط (أبيي وهجليج) وهي التي كانت مسرحاً للعمليات العسكرية التي ذكرنا - أبيي في وقت سابق وهجليج مؤخراً- والتي غيرت فيما يبدو أجندة التفاوض

وكان النزاع بين الخرطوم وجوبا حول تبعية منطقة أبيي واحداً من أكثر المسائل تعقيداً بين الجانبين لفترة طويلة جداً.

رفضت منظمات المجتمع المدني بأبيي في مذكرتها "أي حل سياسي لا يتماشى مع المرجعيات الأساسية وهي بروتكول أبيي، قانون استفتاء أبيي، قرار محكمة التحكيم الدولي الدائم في لاهاي".

أبيي منطقة حصلت على وضع خاص ضمن اتفاقية السلام الشامل بين حكومة السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان. كانت تابعة لولاية غرب كردفان التي تم حلها بعد توقيع اتفاق السلام. سكانها مزيج من قبائل المسيرية (من الشمال) والدينكا (من الجنوب)، وتعتبر جسرًا بين شمال السودان وجنوبه.

وتسكن في شمال المنطقة أبيي، التي تبلغ في مجملها حوالي (16) كلم مربع قبائل المسيرية و جنوباً قبائل دينكا نقوك.

والخلاف بين الشمال والجنوب فيها  يدور حول قبيلة المسيرية التي يقول الجنوبيون انها  ليست مستقرة في ابيي بل تقوم بالانتقال إلى ابيي للرعي لمدة بضعة أشهر كل عام ثم تهاجر شمالاً بقية العام أما وجهة النظر الشمالية فتقول ان ابيي هي ارض المستقر للمسيرية وان هذه القبيلة تهاجر شمالاً بسبب الظروف المناخية التي تؤثر على المراعي ثم تعود إلى ابيي.

وماتزال هذه القضية غير محسومة بين الشمال والجنوب بسبب مطالبة الجنوبيون بعدم منح قبائل المسيرية حق التصويت في استفتاء ابيي، بينما يرى الجانب الشمالي ضرورة مشاركة المسيرية في تقرير مصير ابيي بصفتهم مواطنون يسكون هذه المنطقة قبل أن تأتي قبيلة دينكا نقوك إليها.

وتوالت الجهود الدولية والإقليمية بشأن أزمة أبيي منذ التوقيع على إتفاقية السلام الشامل (2005) مروراً بالإتفاقيات اللاحقة من خارطة طريق عودة النازحين وتنفيذ بروتكول أبيي في 8 يونيو 2008، وقرار محكمة التحكيم الدائم في لاهاي والخاص بترسيم حدود مشايخ دينكا نقوك التسع في 22 يوليو 2009، وإتفاقية 20 يونيو 2011 الخاصة بالترتيبات الأمنية والإدارية المؤقتة للمنطقة، وقرار مجلس الأمن   الدولي رقم 1990 الخاص بنشر 4200 جندي من القوات الاثيوبية في يونيو 2011، إلى الإجتماع الوزاري لمجلس الامن والسلم الافريقي رقم 319 في 24 أبريل 2012.


قيادي في قبيلة الدينكا نقوك. © النيلان | محمد هلالي

وفي خضم كل ذلك فإن النقطة الحاسمة في هذا النزاع، والمتعلقة باستفتاء أهل المنطقة بخصوص تبعيتها، كانت على الدوام هي موضع الخلاف بين الحزبين الحاكمين في الدولتين، حتى قبل الانفصال، عندما كان حزبا المؤتمر الوطني الحاكم في الشمال ونظيرته الحركة الشعبية جنوباً، شريكان في حكم السودان الكبير.

وفي هذه الأثناء، اتهمت منظمات المجتمع المدني بأبيي المؤتمر الوطني بالعمل على إنتاج البيئة الغير صالحة لتنفيذ المواثيق بشأن منطقتهم. وذكرت هذه المنظمات في مذكرة لها تم رفعها الشهر الماضي، لـ (الإتحاد الإفريقي، الآلية الأفريقية رفيع المستوى منظمة الإيقاد وشركائها وجمهورية جنوب، و مجلس تشريعي جنوب السودان، بالإضافة إلى اللجنة الإشرافية المشتركة لأبيي، وقائد القوات الاثيوبية الاممية)، وجود انتهاكات من قبل الجيش السوداني في المنطقة، مطالبة بـ "التحقيق فيها تحت إشراف دولي"، وكذلك في كل الانتهاكات منذ العام 2008 وإلى الآن، مؤكدة في ذات الوقت رفضها "لأي حل سياسي لا يتماشى مع المرجعيات الأساسية وهي بروتكول أبيي، قانون استفتاء أبيي، قرار محكمة التحكيم الدولي الدائم في لاهاي".

والجدير بالذكر أن هذه المذكرة وقعت عليها (13) منظمة أبرزها، اتحاد الخريجين، واتحاد المعلمين، ونقابة عمال الشحن والتفريغ، واتحاد الرعاة، إلى جانب الجماعات الدينية.

ويعتبر الباحث والمهتم بشئون المنطقة، أبوبكر عبد الرازق، أن الحكومتين عاجزتان عن إيجاد حل نهائي لهذه المشكلة، مشيراً إلى أن المدنيين "هم الخاسرون" في خضم كل هذا "التعنت من الطرفين"، مضيفاً أن "هنالك ارتفاع شديد لمعدل الجريمة بالمنطقة". وأضاف أبوبكر، الذي زار المنطقة عدة مرات، أن "المواطنين أصبحوا لا يستطيعون التنقل بحرية فيها حالياً".


الآراء الواردة في هذا التقرير لا تعبر بالضرورة عن رأي الناشر أو عن رأي الموقع www.theniles.org

رسالة إلى المحرر | اتصل بالصحفي

Email this page to someone

Recipient's email address:

Your name:

Your email address:

Subject:

Cancel