عمليات تهريب البشر: من السودان الى الخليج - الحلقة الأولى

بورتسودان - عمليات تهريب البشر من السودان الى دول الخليج و بالتحديد الى المملكة العربية السعودية اصبحت ظاهرة تؤدي بارواح الكثيرين و تغني القلائل.

بورتسودان هي المنطقة التي تنطلق منها كل عمليات التهريب من السودان نحو الخليج.
© زينب محمد صالح

تعتاش بعض القبائل في شرق السودان من مهنة تهريب البشر، ولكن بعض هؤلاء البشر يقضون نحبهم على الطريق، حيث أحصي مقتل نحو ثمانمائة شخص غرقاً خلال نقلهم بالمراكب إلى السعودية، وتتنوع جنسيات هؤلاء فمنهم التشادي والنيجيري والأريتري والأثيوبي كما الصومالي.

خفايا عمليات تهريب البشر أو 'الكوبية' كما تعرف هنا، كانت محور تحقيق أعددناه، حيث سنعرض لكم شهادات مهربين التقيناهم زعموا فيها أن أفراداً من قوى الأمن السوداني تتعاون معهم.  

إليكم الحلقة الأولى من هذا التحقيق:


 مدينة سواكن، السودان. © بيرترامز

قطع مئات الأميال من عاصمة بلاده انجمينا إلى إن وصل إلى الخرطوم، ليرتاح قليلا ومن ثم يواصل المسير نحو مبتغاه، المملكة العربية السعودية. محمد عثمان، البالغ من العمر نحو 18 عاما متزوج وأب لطفل واحد، هو أحد الناجين السبعة من غرق آخر مركب سنبك فى مياه البحر الأحمر. محمد كان يدير مطعما صغيرا في العاصمة التشادية، ولكنه لا يدر عليه مالا يغطي به احتياجاته الأساسية، كغيره من الاستثمارات الصغيرة في البلدان الافريقية.

لهذا، قرر عثمان الذهاب إلى المملكة العربية السعودية للعمل فيها أي عمل هامشي، يساعده ماليا. لكن السعودية وضعت هذا العام قيودا على المعمرين السودانين والعابرين للسودان، عبارة عن مبلغ مالي قدره 10 آلاف جنيه سوداني، بدل تأمين في المصرف، ليسمح لهم الذهاب إلى العمرة ولمدة 15 يوما فقط، ومن يتخلف عن هذا الموعد يسحب منه المبلغ المالي.

محمد عثمان حضر قبل أسابيع عزاء ابن عمه الذي يقيم معهم في الخرطوم حينما قضى نحبه مع مئات آخرين فى غرق المركب  التي كانت تقلهم إلى السعودية.

إلى الآن  لم تعرف أسباب الحادثة، لأن هنالك تسريبات بأن المركب قد أطلق عليها نار من الأجهزة الأمنية السودانية التي كانت تطاردها، رغم أن السلطات السودانية أعلنت حينها أن المركب غرقت نتيجة لحريق شب على متنها، ولم تشكل أي لجنة للتحقيق في الحادثة من قبل السلطات السودانية.

"ندفع  إلى عنصر الأمن الموجود في نقطة تفتيش ولاية البحر الاحمر في منطقة 'هيا'، مبلغ 100 جنيه سوداني عن كل مهرَّب". محمد حسين

تعرَّف محمد عثمان على محمد حسين السوداني الجنسية، الذي يعتبرالشخص الأول في عصابة التهريب في الخرطوم، فهو قد هرّب من قبل مئات الأشخاص من سودانيين وتشاديين. هكذا دفع عثمان مبلغ 1100 جنيه سوداني لمحمد حسين حتى يوصله إلى الشواطئ اليمنية من الناحية الشرقية للبحر الاحمر.

محمد حسين، الذي التقيناه في الخرطوم وتعهدنا له بعدم الكشف عن هويته لأي جهة،  يتقاضى 1100 جنيه سوداني من التشاديين ومن السودانيين فقط، فيما يتقاضى أكثر من ذلك من النيجيريين والصوماليين والأريتريين، "لأنهم لا يعرفون السودان جيدا بعكس السودانيين أبناء البلد والتشاديين نظرا للتداخل القبلي بين البلدين"، كما فسر لنا حسين.

وبعد تقاضي الأموال يتصل  بأفراد في الأمن السوداني، تعرف عليهم  خلال عمله هذا لتأمين مسيرة المهَربين من الخرطوم إلى مدينة سواكن على ساحل البحر الأحمر، خاصة لأنه يسهل التعرف على التشاديين من خلال سحناتهم المميزة، وعادة يكونون قد دخلوا السودان بصورة غير شرعية.  

وقال حسين: "ندفع  إلى عنصر الأمن الموجود في نقطة تفتيش ولاية البحر الاحمر في منطقة 'هيا'، مبلغ 100 جنيه سوداني عن كل مهرَّب، ونخبره عبر الهاتف اسم الباص الذي يستقلونه من الخرطوم إلى سواكن، وعدد المهرَّبين فيه". حسين لم يوضح رتبة العنصر في قوى الأمن الذي يتعامل معه.

كان لا بد من التجربة، فقمنا برحلة إلى سواكن، توقف الباص الذي كان يقلنا في منطقة هيا، صعد إلى الباص رجل يرتدي زيا مدنيا، دقق في وجوه الركاب، يختار بشكل عشوائي ليطلب منهم اثبات هوياتهم. كان واضحا أنه من الأمن، طلب هويتي وهويات فتيات ركبن الباص من عطبرة، وجميعنا سودانيون ماعدا امرأة كانت تجلس إلى جانبي وتبدو مصرية.

وعندما بلغ المقاعد الموجودة خلفي، حيث كانت تجلس امرأة ومعها ابنها وبناتها الاثنتين، سألهم: "هل أنتم من الحاج يوسف ­­­ ­­­­- ضاحية تقع في الخرطوم بحري؟" لما ردوا بالإيجاب، تجاوزهم ولم يطلب منهم إثبات هوياتهم. فهل كان هؤلاء من المتسللين؟

"كنا كالحيوانات ربطنا إلى بعضنا البعض ومن ثم ربطونا جميعا إلى السيارة، وربط جانبنا برميل ماء شرب".
محمد عثمان
دفع محمد عثمان مبلغ الـ1100 جنيه التي لا تغطي كلفة الباص من الخرطوم إلى سواكن، وعند وصوله إلى سواكن كان في انتظاره المهرب الثاني، والذي اختفى عن الأنظار بعد أن غرقت المركب. ونقل المهرِّب محمد عثمان إلى أحد المخيمات في مكان ما جنوب سواكن حيث أمضى مع آخرين أسبوعا في ظروف سيئة للغاية. 

كانوا صائمون ويعطونهم عند الإفطار بعض الأرز وعصيدة من الدقيق، والقليل من الماء، قبل أن يؤخذوا إلى الشاطئ الذي تنطلق منه المركب. أحيانا تكون مدة الاتظار طويلة، ويتوقف ذلك على جاهزية المركب.

المهرِّب الكبير وهو عادة يكون صاحب المركب، ولديه سيارات نصف نقل ودراجات نارية، تنطلق قبل السيارات لتمشيط الطرق من الأمن، لإيصال المهربين إلى الشاطئ. وبعد تجهيزالمركب، يُفتش المُهرَّبين تفتيشا دقيقيا حتى لايكون بينهم مسلحين.

وبرر مصدرمقرب من المهرِّبين الكبار أسباب التفتيش الدقيق بأن المهرِّبين قد يتخلصون من المهرَّبين في البحر إذا حدث أي طارئ، لهذا يجب عليهم تفادي اي تعقيدات او حوادث يمكن للمهزب المسلح ان يسببها.

ووصف محمد عثمان كيف ُنقل ورفاقه: "كنا كالحيوانات ربطنا إلى بعضنا البعض ومن ثم ربطونا جميعا إلى السيارة، وربط جانبنا برميل ماء شرب".

انطلقت السيارة بسرعة كبيرة حتى بلغت الميناء، التي ستنطلق منها المركب، وصلوا عند منتصف الليل. وبعد أن ترجلوا من السيارات التي كانت تقلهم، وجد عثمان أن عددهم نحو أربعمائة شخص، ويبدو أنه يتم جمعهم في أماكن مختلفة.

المركب الصغيرة الموجودة أمامهم لا تحتمل سوى 50 راكبا، ولكنه فوجئ بالجميع يتسابقون نحو المركب، تم وضع النساء والأطفال في الطبقة السفلى، والرجال في الأعلى، امتلأت المركب المصنوع بالخشب بالكامل، لا تحمل من الزاد سوى مياه عذبة للشرب. وانطلقت المركب حوالي الساعة الواحدة فجرا شرقا باتجاه اليمن، وبعد أربع ساعات تقريبا من إبحارها غرقت في المياه الإقليمية السودانية .

نجا محمد عثمان وستة اخرون من رفاقه. رأى محمد عثمان القبطان وقد ارتدى سترة النجاة وولى هاربا، وبعدما أمضى الناجون يومين في بحر متلاطم الأمواج بدون طعام أو شراب، عثرت عليهم طوافة من الأمن السوداني، قدموا للمحاكمة وأفرج عن محمد عثمان لأنه لم يكن أكمل الثامنة عشر بعد.

"الجيش اليمني كان يشدد الرقابة على الحدود وعلى السواحل حتى لا يتمكنوا من التسلل ولكنه الان مشغول بقمع شعبه".
عبد الرحمن الامين

في سواكن عدد كبير من المهربين من عدة جنسيات، منهم سودانيون مسؤولون عن سودانيين، هناك صوماليون ونيجيريون وارتريون  واثيوبيون، وكل مهرب مسؤول عن أبناء بلده، يقوم بتوصيلهم إلى المهربين الكبار بحسب تعبير  محمد حسين.

ورغم صعوبة أو استحالة الوصول إلى المهربين الكبار، تمكنا من الوصول إلى عبد الرحمن الامين، سوداني الجنسية ومن أم تشادية، محكوم عليه بشهرين سجن وغرامة مالية، و في حالة عدم الدفع يقضى شهورا أخرى في سجن سواكن العمومي. أدين الأمين بإيوائه لأجانب فى بيته دخلوا البلاد بصورة غير شرعية.

و يعمل الامين كمهرب ثانوي وكان مسوؤلا عن تهريب سودانيين وتشاديين، ومهمته تكمن فى توصيل المهَربين الى المهرِبين الكبار. زرناه مع أحد أقربائه في السجن مرات عدة، باعتباري صديقة قريبه. هكذا علمنا منه أنه جنى أموالا طائلة من التهريب، وذكر بأن المهَربين باتوا يتمكنون من الوصول إلى السعودية عقب الثورة اليمنية التي زحزحت حكم الرئيس اليمني علي عبدالله صالح ، وشبه الوضع في اليمن بـ"الجنينة وغفيرها ميت".

وقال الامين: "الجيش اليمني كان يشدد الرقابة على الحدود وعلى السواحل حتى لا يتمكنوا من التسلل ولكنه الان مشغول بقمع شعبه".

الأمين متزوج من امرأتين واب لعدد من الابناء والبنات، وله املاك كثيرة في الخرطوم و سواكن، كما يملك فندقا قيد الانشاء. برر عمله في التهريب بان المهربين الكبار يستغلون أهله خاصة التشاديين من أهل والدته، وعمل معهم لمنع الاستغلال، وتأسف على الذين يذهبون إلى السعودية ليمتهنوا مهنا هامشية يخاطرون بحياتهم وأرواحهم متسائلا: "لماذا لا يذهبون إلى اسرائيل؟ هناك الوضع أفضل كثيرا مقارنة بالدول العربية، ولايتعرضون للإذلال الذي يتعرضون له في بلاد العرب".

وكشف عن نيته التخلي عن هذه المهنة عقب خروجه من السجن، ولكن بعد أن يُهرِب الذين اخذ منهم أموالا قبل دخوله إلى السجن. وكشف أن المهُرِب الكبير الذى يعمل معه ضابط في الاستخبارات العسكرية، لذلك لا يمكن اعتقاله.

"عندما يعطيني المهرب الكبير الإشارة، أنقل المهربين في سيارات نصف نقل، تسبقها دراجات نارية لتمشياط الطرق".
عبد الرحمن الأمين

وشرح لنا كيفية نقل المهربين إلى حيث المهرب الكبير:"عندما يعطيني المهرب الكبير الإشارة، أنقل المهربين في سيارات نصف نقل، تسبقها دراجات نارية لتمشياط الطرق".

وفي اولى زيارتنا للأمين أتاه شاب في عقده الرابع يرتدي أزياء اليمن التقليدية سلم عليه بحرارة، وعندما ذهب قال لنا: "هذا أحد سائقى المراكب التي تقل البشرإلى اليمن، اعتقل قبل أيام ولكن لحسن حظه كانت مركبه خالية، وبرر وجوده في المياه الاقليمية السودانية بانه أتى للصيد وأراد أن يتزود بالوقود، ولكنه أدين بخرق المياه الاقليمية للسودان وحكم عليه بغرامة مالية قدرها 1000 جنيه سوداني، ودفعتها له انا لأن المهربين الكبار الذين يتعامل معهم تنكروا له، ولكن بعد خروجه من السجن ذهب إليهم وقام بابتزازهم مهددا إياهم بوشايتهم لدى السلطات السودانية وأخذ منهم أموالا دفعها كغرامة مالية لإخراج رفاقه الذين كانوا معه على متن المركب".

وحينما يصل المهرَّبون إلى اليمن يتسلمهم هناك يمنيون يتعاونون مع الأمن اليمني، لتسهيل مهمة القادمين من السودان وإيصالهم إلى الحدود السعودية، وهناك يدفع كل هارب ما بين 1000 إلى 2000 ريال سعودي،  ويدفعون ما يقارب هذا المبلغ أيضا إلى باقي العصابة في السعودية في منطقة الجيزان لإيصالهم إلى مبتغاهم.

جميع الاسماء هنا غير حقيقية قمنا بتبديلها حماية وللحفاظ على سرية هويات أصحابها.


الآراء الواردة في هذا التقرير لا تعبر بالضرورة عن رأي الناشر أو عن رأي الموقع www.theniles.org

رسالة إلى المحرر | اتصل بالصحفي

Email this page to someone

Recipient's email address:

Your name:

Your email address:

Subject:

Cancel