الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

هيبان - حكايات الهاربين من جحيم إلى جحيم

مها التلب
قصص عدد من الهاربين من هيبان في جبال النوبة، وكيف فروا من الحرب، لمواجهة أنواع أخرى من المعاناة.
18.08.2016  |  الخرطوم، السودان
منطقة هيبان - خريطة قوقل معدلة. (الصورة: النيلان)
منطقة هيبان - خريطة قوقل معدلة. (الصورة: النيلان)

لمنطقة هيبان أهمية استراتيجية كبرى تكتسبها من موقعها الجغرافي الذي يربط المنطقة الشرقية بالغربية في جنوب كردفان. هيبان تجاور كاودا وتربط الطرق التي تعبرها الدلنج وكادوقلي غرباً، أبوجبيهة شرقاً وأم روابة شمالاً. كما تمتاز هيبان بأراضيها الزراعية الخصبة، حيث إنها كبرى مناطق إنتاج الحبوب الغذائية والزيتية وكذلك الفاكهة. 

كل هذه الجوانب الإيجابية أهلتها لتصبح مأهولة بالسكان ومنتجة لجزء كبير من المخزون الغذائي في المنطقة. ولكن نفس تلك الأسباب جعلتها محل نزاع بين القوات الحكومية والمتمردين. موقعها الاستراتيجي يمكن، عبر السيطرة عليها، من تسيير حملات عسكرية منها وتوجيه الضربات لكافة مناطق الإقليم. 

كانت هيبان محل قصف أدى إلى ضرب المزارع في المواسم المختلفة وتشريد سكانها. تمثل هيبان الحصن الحصين للحركة الشعبية-شمال، اقتصاديا وعسكرياً. بدأت الغارات الحكومية في استهدافها منذ بداية الحرب بين الحكومة والحركة الشعبية في يونيو\حزيران ٢٠١١. 

حمل الكثيرون أمتعتهم المتبقية من القصف، هروباً من أشلاء الجثث التي تناثرت في فضاء المنطقة، وانتقلت إلى وسائط التواصل الاجتماعي. اتجهوا نحو أماكن في ظنهم أكثر أماناً، من المدن السودانية في الداخل إلى دول جنوب السودان يوغندا كينيا ومصر.

لجأنا إلى منطقة بانتيو في رحلة استغرقت يومين مشيا على الأقدام من هيبان. بعدها ذهبت إلى جوبا ومكثت فيها عاما كاملا، قبل أن أتحرك إلى معسكر كاكوما في كينيا.“
 منال البدين

الهروب من الموت يبدو وكأنه موت مؤجل، فالهاربون من الجحيم يعيشون جحيماً آخر حسب حكاياتهم* لـ 'النيلان'.  

تبدأ منال البدين، أم لأربعة أطفال في الخمسين من عمرها، في سرد تفاصيل ما حدث. "لجأنا إلى منطقة بانتيو في رحلة استغرقت يومين مشيا على الأقدام من هيبان. بعدها ذهبت إلى جوبا ومكثت فيها عاما كاملا، قبل أن أتحرك إلى معسكر كاكوما في كينيا." 

تصف منال حياتها وحياة أطفالها في معسكرات اللجوء بـ "الصعبة". "الآن أصبحنا في رعاية الأمم المتحدة وهي التي تقوم بتوفير الغذاء والتعليم" مضيفة في نبرة حزينة أنها تأمل أن يعود السلام فلقد "فقدنا كل شيء تحت أزيز البنادق والموت". 

أولاد منال يعانون في المدرسة كذلك، فعليهم الآن تتبع المنهج الكيني الجديد عليهم، حيث كانوا من قبل يدرسون بالمنهج السوداني. هذا يعني أن لغة التدريس مختلفة، الإنجليزية بدل العربية، والمواد نفسها مختلفة كذلك.  

يبدو الطريق نحو دولة جنوب السودان هو أقرب الطرق نحو مغادرة الموت. يقول الشاب يونس كالو إنه نزح من منطقة هيبان بعد الحرب وسلك درب جنوب السودان، ومنه إلى أوغندا طالباً للجوء بعد أن فقد كل شيء. 

فقدت في هذه الحرب والدتي وفقدت في الحرب السابقة والدي“ 
 يونس كالو

"فقدت في هذه الحرب والدتي وفقدت في الحرب السابقة والدي". كالو الآن بصدد البحث عن "فرص لمقاومة الإبادة الجماعية التي يتعرض لها شعب جبال النوبة".  

وصف يونس الحملة التي يقوم بها نظام الخرطوم بحملة "استئصال النوبة من جذروهم" مناشدا أبناء جبال النوبة بالوقوف مع بعض هم البعض لـ "إفشال خطط النظام الساعية لطردهم من أراضيهم."  

وتوجه يونس برسالة للرئيس السوداني عمر البشير قائلاً: "يا عمر البشير أنت لا تستطيع أن تقضي على النوبة في السودان، لأنهم كيان عظيم. الحرب الدائرة الآن ستكون أنت الخاسر الأكبر فيها لأن قواتنا باتت تكبدكم الخسائر في كل معركة. الأفضل لك أن تخضع للسلام قبل أن يأتيك الجيش الشعبي في مكانك." 

"أسوء شعور هو أن يلاحقك الموت في مكانك دون أن يكون لك ذنب" تقول اللاجئة منيرة عابدين في القاهرة. قالت عابدين، التي تبلغ من العمر ٣٥، عاماً إنها فقدت كل شيء في القصف وخرجت فقط بروحها تبحث لها عن أمان وسلامة، علَّها تجدها بعيداً عن الأرض التي تحولت إلى بؤرة يصنع فيها الموت.  

لا تفكر منيرة في العودة الي البلاد وتنتظر مع آخرين ما تقوله الأمم المتحدة بشأن طلبها في إعادة التوطين. "أعيش برفقة سودانيين آخرين في انتظار القادم، وأتمنى ألا يطول انتظاري".

هذا ما تقول حواء كوكو كذلك. لعنت كوكو هذه الحرب الذي حرمتها من أي شيء يجعلها تود العودة إلى وطنها. تقضي كوكو نهارها في العمل في منازل الأبيض في شمال كردفان، تغسل وتكوي الملابس. تحاول أن تخفي دمعة تتسرب إلى عينها. فرت كوكو من هيبان مع صغارها هربا من جحيم الحرب كما تقول. كل يوم، تغسل ذاكرتها مع أكوام الملابس وتتحمل لهيب مكوة الفحم فهو أكثر برودة من نيران الحرب. 

 

 

* جميع الحوارات كانت في شهر يونيو\حزيران ٢٠١٦  إما عبر الهاتف أو شخصيا. 

جميع مواضيعنا متوفرة لإعادة النشر. نرجو الاتصال بنا عبر عنوان بريدنا الالكتروني عند إعادة نشر تقاريرنا، صورنا أو أفلامنا.