الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

مدارس لا تُقرع لها الأجراس

جعفر خضر
بدأ العام الدراسي في مناطق الزراعة المطرية بمعظم ولايات السودان في أوائل أبريل\نيسان الماضي، دون أيَّة مظاهر احتفالية ودون أن تُقرع له الأجراس.
12.07.2016  |  القضارف، السودان
فصل في مدرسة خالد بن الوليد في محلية قلع النحل، القضارف، ٢٠ يونيو، ٢٠١٦. (الصورة: النيلان | حسن أحمد حسن)
فصل في مدرسة خالد بن الوليد في محلية قلع النحل، القضارف، ٢٠ يونيو، ٢٠١٦. (الصورة: النيلان | حسن أحمد حسن)

يتبع التعليم العام في السُّودان، منذ نشأته في الحقبة الاستعمارية، تقويمين دراسيين مختلفين، حتمتهما الظروف الطبيعية. 

تقويم المجموعة 'أ' الذي يبدأ عامها الدراسي في يونيو أو يوليو وتقويم المجموعة 'ب'، الذي يبدأ في شهر مارس أو أبريل. سبب هذا الاختلاف هو أن التقويم 'ب' ينتشر في مناطق الزراعة المطرية، حيث ينخرط الأطفال في مساعدة أهلهم في الزراعة مع حلول عطلة الفترة الدارسية الأولى مع نهاية يونيو. 

توجد مدارس المجموعة 'ب' في ولايات القضارف، كسلا، سنار، النيل الأزرق، جنوب كردفان، وولايات دارفور.

مناطق الزارعة المطرية التقليدية تنال النصيب الأقل المخصص للزراعة من موازنة الدولة السودانية على مرّ الأنظمة السياسية المتعاقبة. يضم قطاع الزارعة المطرية التقليدية أغلب سكان السودان، ويعد من أفقر القطاعات في البلاد. تقع هذه المدارس كذلك في مناطق اشتعال الحروب، نتيجة للغبن التنموي حسب الخبير الاقتصادي محمد إبراهيم عبده كبج.

تعاني هذه المناطق أيضا من التهميش التعليمي ويتضح ذلك من خلال مؤشر أساسي وهو توفير المنهج الجديد خلال العام الدراسي الحالي.

مما لا شك فيه أن الكتاب المدرسي هو الركيزة الأساسية للمنهج، والمرجع الرئيسي للتلميذ، وتزداد أهميته في مرحلة الأساس وبالذات في السنوات الأولى، وعلى وجه الخصوص في البيئات الفقيرة التي تعوزها الوسائل التعليمية البديلة الحديثة. 

تتضاعف أهمية الكتاب حين يكون المنهج جديدا، لم يدرس به أخ كبير أو ولي أمر، مثلما يحدث الآن في السودان حيث بدأ تطبيق المنهج الجديد العام الماضي بالصف الأول أساس، وتم تغيير منهج الصف الثاني هذا العام، الذي بدأ في مناطق الزراعة المطرية، وعلى وشك أن يبدأ في المناطق الأخرى. 

الحروب، الأمطار والتعليم

تشكّل مدارس المجموعة 'ب' معظم مدارس ولاية النيل الأزرق، حيث نجد أن كل مدارس محليات الكرمك، قيسان، باو، التضامن، وود الماحي تتبع لمدارس المجموعة 'ب' ، في حين أن محليتي الدمازين والرصيرص عبارة عن خليط من مدارس المجموعتين 'أ' و’ب'.

مدخل مدرسة محمود ود زايد الأساسية، محلية القلابات الغربية، القضارف، يونيو، ٢٠١٦.

مدخل مدرسة محمود ود زايد الأساسية، محلية القلابات الغربية، القضارف، يونيو، ٢٠١٦. (الصورة: النيلان | وهيبة فيصل)

 بدأت الدراسة في مدارس المجموعة 'ب' لهذا العام يوم ٢٠ مارس\آذار، وانتهت بعد قرابة الثلاثة أشهر في ١٦ يونيو\حزيران الجاري. ولكن للأسف لم تصل كتب الصف الثاني من المنهج الجديد حتى نهاية الفترة.

ورغم أن كتاب الصف الثاني لم يصل الولاية بعد، إلا أنه ربما يتسنى لتلاميذ مدارس المجموعة 'أ' بالولاية، التي ستفتح أبوابها يوم ١٠ يوليو\تموز المقبل، الحصول على الكتاب. هذا إذا لم يتكرر ما حدث العام الماضي حين أمضى تلاميذ الصف الأول الفترة الأولى من العام الدراسي في انتظار كتب المنهج الجديد. 

 بعد توقيع اتفاق نيفاشا للسلام شهد التعليم اهتماما كبيرا بولاية النيل الأزرق وتم تشييد الكثير من المدارس في المناطق الريفية بالولاية، تفوق جودتها مدارس الدمازين حاضرة الولاية. 

ولكن تجدد الحرب عطّل التعليم بتلك المدارس. الآن تواجه دفعتان من أطفال الولاية عدم القدرة على مواصلة مسيرتهم التعليمية بسبب تأخر استلام كتب المنهج الجديد لعامين متتالين.

شدد أستاذ بمرحلة الأساس في الولاية ـ فضّل حجب اسمه ـ على ضرورة توفير الكتاب المدرسي مبكرا قبل فتح مدارس المجموعة 'ب' ، ونوّه إلى أن تأخير وصول الكتاب يؤثر على نتائج التلاميذ سلبا مقارنة بالمجموعة 'أ' وأن تأخير كتب تلاميذ الفصول الصغيرة يضر بمستقبل مسيرتهم التعليمية. 

وأكّد على ضرورة زيادة تدريب المعلمين عموما، وألا يستأثر معلمو المجموعة 'أ' بالفرص دون معلمي المجموعة 'ب' ، وشدد على "ضرورة العدالة في توزيع المعلمين ذوي الخبرات على مدارس المجموعتين ولن يتأتى ذلك إلا بتحفيز المعلمين بصورة مستمرة للبقاء في الريف، وكذلك العدالة في إبقاء المعلمين في الريف بحيث لا يطال البعض دون البعض الآخر". 

 في ولاية غرب دارفور نجد نفس المشاكل، حيث لم تصل الكتب بولاية غرب دارفور، ولكنها توفرت للبيع التجاري منذ بداية العام في ظل الفقر المدقع الذي يخيم على تلك المناطق. وفي ظل عدم توفر المنهج الجديد استعانت بعض المدارس بمنهج الصف الثاني القديم. ذات المعاناة نجدها في ولاية جنوب كردفان وولايات دارفور الأخرى حيث تنتشر مدارس المجموعة 'ب'.

توحيد التقويمين

حاول وزير التربية في ولاية سنار توحيد العام الدراسي للمجوعتين 'أ' و 'ب' باتباع تقويم المجموعة 'ب' الذي يبدأ باكرا ويجعل من فترة الخريف عطلة، ولكن محاولاته وجدت معارضة من المجلس التشريعي وكثير من المعلمين والمجالس التربوية. 

الاعتراض الرئيسي كان ارتفاع درجات الحرارة في أبريل\نيسان وانتشار الأمراض الصيفية خاصة السحائي، مما يجعل الدراسة في هذه الفترة صعبا. بينما أهم مبررات المؤيدين لقرار الوزير هو أن مناخ الولاية واحد بالمدن أو القرى، وأن الدراسة في الخريف تتسبب في إهدار الوقت وتصعّب الوصول إلى المدارس. لم يطل الجدل كثيرا وانتهى بالإبقاء على التقويمين المنفصلين، لكن تأخرت بداية العام الدراسي للمجموعة 'ب' شهرا كاملا جراء هذا الجدل.

"طول العطلة بين الفترتين الأولى والثانية لمدارس المجموعة 'ب' والتي تصل إلى ثلاثة أشهر يؤثر على تحصيل التلاميذ" حسب عبد الباسط إبراهيم ولي أمر تلميذ بالمجموعة 'ب'. 

هذا ويرى البعض ضرورة تأخير فتح مدارس المجموعة 'ب' للفترة الثانية إلى شهر أكتوبر حتى يفرغ التلاميذ من مساعدة أهلهم في الزراعة، ومن ثم تأخير نهاية العام الدراسي.

كانت وزارة التربية والتعليم بولاية الخرطوم، التي تتبع تقويم المجموعة 'أ' ، قد تقدمت بمبادرة استندت الى دراسة علمية، لبدء العام الدراسي في سبتمبر من كل عام، حسب بيان أصدرته الوزارة قبيل العام الدراسي ٢٠١٥\٢٠١٦.

وجد هذا المقترح تأييداً من كل المعنيين بلا استثناء. أهم حيثيات بدء العام الدراسي في سبتمبر، التي استندت عليها الدراسة، تتمثل في التغيرات المناخية التي جعلت الخريف أكثر أمطارا وسيولا، وأكدت على أن الحفاظ على أرواح وسلامة التلاميذ مقدم على غيره من المصالح الأخرى. 

وأكدت الوزارة أن مقترح البداية في سبتمبر هو المعالجة المرحلية للخروج من أزمة الخريف وتأثيره على البنية التحتية للتعليم كانهيار المباني، والمشاكل الصحية المصاحبة له – من تلوث البيئة، أمراض الخريف، توالد الذباب والبعوض، وغيرها.  

ودفعت وزارة التربية والتعليم بولاية الخرطوم بالمقترح إلى وزارة التربية والتعليم الاتحادية للتشاور والتنسيق تمهيداً لتطبيقه، إلا أن عدم التوصل لرؤية مع الاتحادية بشأن تغيير موعد الشهادة الثانوية حال دون تطبيق التقويم المقترح.

ويشبه تقويم ولاية الخرطوم المقترح تقويم المجموعة 'ب' في أنه يجعل من الخريف إجازة، ويختلفان في أن الأول يبدأ العام الدراسي في سبتمبر، والثاني يبدأ العام الدراسي في أبريل.

والجدير بالذكر أنه قبل سنوات تم إلغاء نظام المجموعة 'ب' في ولاية النيل الأبيض وتوحيد كل مدارس الولاية في تقويم المجموعة 'أ'. 

طالبات وطلاب القضارف

تسلمت وزارة التربية والتعليم بولاية القضارف نصيب الولاية من الكتاب المدرسي لمرحلة الأساس، البالغ نحو ٢٥٠ ألف كتاب، وذلك في إطار برنامج الشراكة العالمية الممول من قبل البنك الدولي. 

ربما كان هذا هو السبب الذي جعل الوضع في القضارف أحسن نوعا ما مقارنة بولايات أخرى، ولكن رغم ذلك فإن مدارس المجموعة 'ب' تعاني إما من نقص في الكتب أو تأخر موعد وصولها.

أفاد لؤي التوم، مدير إدارة الإعلام التربوي في وزارة التربية - ولاية القضارف، أن مدارس المجموعة 'أ' يبلغ عددها ١٥٦ مدرسة بالمقارنة مع  ٦٩٦ مدرسة أساس في المجموعة 'ب'.  

مثلا في مدرسة 'أم قرقور الغربية بنات' بمحلية الفشقة، وصلت كتب الصف الثاني بعد حوالي شهر من بداية العام الدراسي ولكن  كتب الأنشطة (لغة عربية + رياضيات) لم تأت. هنالك شح في كتب الصفوف من الثالث إلى السابع في كل المواد عدا الرياضيات. 

كانت هذه المدرسة، التي تقع في معسكر للاجئين، تتبع لمفوضية اللاجئين والتي كانت توفر كل احتياجات التلميذات حتى ٢٠٠٨. ولكن بعد أن تم تتبيعها لإدارة التعليم بمحلية الفشقة، أصبحت هي الأخرى تعاني من نقص في الإجلاس مثلها مثل مدارس المجموعة 'ب' الأخرى بل وحتى مدارس المجموعة 'أ' في حاضرة المحلية مدينة الشواك. هذا بالإضافة إلى جلوس التلاميذ بعض المدارس في فصول غير مسقوفة، مما يعرضهم لمختلف أحوال الطقس.  

داخل مدرسة خالد بن الوليد في محلية قلع النحل، القضارف، ٢٠ يونيو، ٢٠١٦.

داخل مدرسة خالد بن الوليد في محلية قلع النحل، القضارف، ٢٠ يونيو، ٢٠١٦. (الصورة: النيلان | حسن أحمد حسن)

انهارت بعض المدارس تماما بسبب الفيضانات، مثل مدرسة 'أم عدارة الأساسية'، محلية قلع النحل، التي تم تجفيفها الآن. عدد من فصول مدرسة 'خالد بن الوليد الأساسية بنين' انهارت على مدى السنوات، ولكن المثير للانتباه هو أن الفصول التي تم تشييدها سنة ١٩٤٤ ما زالت صامدة ، بينما زالت الفصول الجديدة. 

فيما يخص المدارس التي تتضرر من الأعاصير قال التوم أن هناك لجنة مكونة على مستوى الولاية للطوارئ حيث أن وزارة التربية جزء منها، وهي مكفه بحصر الأضرار وتحديد المعالجات المناسبة.

وبالإضافة إلى الكوارث الطبيعية التي تهدد المدارس، هنالك كوارث مصنوعة من طرف الإنسان لا تقل خطورة. تعاني مدارس كثيرة من غياب دوارت المياه، مثل مدرسة 'محمود ود زايد الأساسية بنين'، محلية القلابات الغربية، حيث يذهب الأولاد لقضاء الحاجة في الجبل المجاور. هذه المدارس تعاني أحيانا من اكتظاظ الفصول من جهة، وإلغاء بعض الأقسام بسبب عدم تسجيل عدد كافي من الطلاب من جهة أخرى.

ويرى محمد بلة ولي أمر تلميذتين وتلميذ بالأساس والثانوي بمحلية الرهد بولاية القضارف أن الحل يكمن في تفعيل الجهد الشعبي بواسطة مجالس الأباء وطرق باب المنظمات والعون الإنساني لتقديم المساعدة. 

وأكّد التوم أن كل المشروعات التي قامت مؤخرا الممولة من التنمية الولائية والاتحادية ومن المنظمات وصندوق تنمية الشرق ركزت على تنمية ريف القضارف. وبالفعل قامت مدارس ووحدات تعليمية جميلة في ريف القضارف. "رغما عن هذا الجهد إلا أن ترقية البيئة المدرسية تحتاج لمجهودات أكبر"، حسب التوم.

أغلب معلمي ومعلمات هذه المدرسة من مدينة القضارف، حيث يجب ترحيلهم من وإلى المدرسة التي يدرسون فيها. "تبلغ كلفة ترحيل المعلم الواحد ثمانية جنيهات ذهابا وإيابا. هذا بخلاف المواصلات داخل المدينة، مما يعني أن كلفة الترحيل للمعلم الواحد تزيد عن ٢٠٠ جنيها شهريا"، كما تقول الأستاذة وهيبة فيصل المعلمة بمدرسة عصار الثانوية بنات.

ولكن تبقى إحدى أولويات وزارة التربية في ولاية القضارف هي تدريب أكبر عدد من الأساتذة على المنهج الجديد، حيث قامت بتدريب عدد ثلاثة معلمين على منهج الصف الأول وثلاثة على منهج الصف الثاني بما يسمى بدورة مدربي المدربين. هؤلاء بدورهم قاموا بتدريب عدد ثلاثة معلمين من كل محلية لكل منهج ليدربوا معلمي المحلية. "بهذه الطريقة تم تدريب عدد مهول في كل المحليات وفي عامنا هذا ٢٠١٦ دربت الوزارة حتى الآن ١٠٥٠ معلما على المنهج الجديد للصف الثاني مثلا" يفسر التوم.  

مشاكل التعليم في السودان عديدة، أبرزها قلة المال المخصص له من ميزانية الدولة. إحدى تلك المشاكل تكمن في أن مدارس المجموعة 'ب' في ريف مناطق الزراعة المطرية غير حاضرة في ذاكرة متخذي القرار القاطنين في المدن، مقارنة بمدارس المجموعة 'أ' في المناطق الحضرية. 

لا يمكن إلغاء تقويم المجموعة 'ب' ، وإلا سيتم إخراج الكثير من تلاميذ الريف من عملية التعليم، أولئك التلاميذ الذين تعطي أسرهم الأولوية للعمل في الزراعة. عليه يمكن توحيد التقويمين في تقويم المجموعة 'ب' أو الإبقاء على التقويمين مع إعطاء مدارس المجموعة 'ب' ما تستحق من عناية.

كما يمكن توحيد كل مدارس السودان في تقويم قريب من التقويم الذي اقترحته ولاية الخرطوم، حيث يبدأ العام الدراسي بعد الخريف.

 

جميع مواضيعنا متوفرة لإعادة النشر. نرجو الاتصال بنا عبر عنوان بريدنا الالكتروني عند إعادة نشر تقاريرنا، صورنا أو أفلامنا.