الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

تجاهل الإعلام لفنون وموسيقى الشرق

حامد إبراهيم
ما زالت فنون وموسيقى الشرق تعاني من تجاهل وسائل الإعلام السودانية لها، خصوصا التلفزيون، على المستويين القومي والولائي. فما هي أسباب هذا التهميش؟
10.06.2016  |  كسلا، السودان
رقصة السيف في احتفال في كسلا، مايو ٢٠١٦. (الصورة: النيلان | حامد إبراهيم)
رقصة السيف في احتفال في كسلا، مايو ٢٠١٦. (الصورة: النيلان | حامد إبراهيم)

يتمتع شرق السودان حسب كثير من خبراء الموسيقى بثراء موسيقي كبير، من حيث تنوع الإيقاعات وتعدد الأنماط اللحنية بالإضافة للحركة المصاحبة للغناء. أضف إلى ذلك تنوع الرقصات، خاصة رقصة السيف والدرقة التي اشتهر بها أبناء قومية البجا بلغتيهم التبداويت والتقراييت. 

"إقليم البجا الذي يمتد في شرق السودان وغرب وشمال إرتريا زاخر بالإيقاعات الراقصة على سبيل المثال إيقاع الكل، البيبوب، السعسعيت، الوردي وغيرها" يقول الخبير الموسيقى محجوب آدم لموقع 'النيلان'. لكل إيقاع رقصة مصاحبة له إما فردية أو جماعية والقاسم المشترك في معظمها أنها تؤدي بمصاحبة السيف أو العصا. 

رغم كل هذا الثراء تظل فنون الشرق محرومة من التغطية الإعلامية كما يوضح الفنان سيدي دوشكا، الذي استطاع فرض نفسه على خارطة الغناء ليس بالسودان وحسب، بل في القرن الإفريقي عامة، حيث يقول أن "غناء شرق السودان مظلوم، مظلوم، مظلوم ـ كررها ثلاث مرات من الأجهزة الرسمية وشبه الرسمية على حد سواء ولا تتاح له الفرصة ليعبر عن نفسه".

"يتخيل إليك أحيانا كفنان بجاوي أنك غير مرغوب فيك في الأجهزة الرسمية من إذاعة وتلفزيون" يشتكي سيدي دوشكا. 

هذا الشعور لا يقتصر على الشرق، وحتى على مجال الفن كما يفسر الأستاذ نميري وداعة، الخبير في الثقافات السودانية والناشط الحقوقي."ظلت الحكومات المتعاقبة والنخب الحاكمة منذ استقلال السودان تتبع سياسة ممنهجة تقضي بتهميش كل الثقافات السودانية واستبدالها بثقافة وسط السودان أي الثقافة العربية" يقول وداعة. 

"الأمر لا يقتصر على الفنون والثقافة فحسب بل يتوسع ليشمل التشريعات القانونية التي يتم صياغتها لتمكين ثقافة، لغة، عادات وتقاليد وسط السودان" يضيف وداعة. 

حتى وسائل الإعلام الولائية لا تبعد عن نظام التحيز، كما يقول سيدي دوشكا حيث "من المفترض أن تتيح الإذاعات والفضائيات التي أنشأتها وتديرها حكومتي كسلا والبحر الأحمر مساحة كافية لهذه الفنون التي تعبر عن هوية أمة علاوة على أنها إضافة للإرث الفني والثقافي الإنساني بمعناه الأشمل". "ولكن ما نراه هو العكس تماما حيث أن هذه الفضائيات والإذاعات أصبحت نسخ من إذاعة وفضائية الخرطوم."

يرفض الاستاذ طه الشيخ الحسن مدير عام فضائية ولاية كسلا هذه الاتهامات مصرحا للنيلان أن السبب هو أن "المنوعات بما فيها من موسيقى وغناء تشكل ١٢٪ من الخارطة البرامجية للقناة".

هذا ويقر المدير أنه ليس للقناة نسب محددة لموسيقى الشرق، لأن هذا الأمر خاضع لما هو متوفر، ولكن حسب قوله فإن "تقريبا النسبة مناصفة بين الأغنية القومية والشرق سودانية". 

النسبة المنخفضة للفن في برمجة فضائية ولاية كسلا يلاحظها المراقب لبرامج القناة، حيث أن معظمها تهدف إلى الترويج لأنشطة وبرامج حكومة الولاية بالتركيز على أنشطة الوالي. 

هكذا اختار عدد من الفنانين الشرقيين بث فنهم في السودان وخارجه عبر قنوات أخرى، كما يفسر المطرب طاهر الأمين من قومية التقري. "الإنفتاح الإلكتروني فتح لنا آفاق لم نكن نحلم بها خاصة اليوتيوب والقنوات الفضائية السودانية الخاصة كقناة هارموني"، التي قال أنها أسهمت بشكل كبير في عكس أعماله مما أعطاه دفعة قوية ورفع من أسهمه كمطرب. 

وربما يعود سبب هذا تمهيش فن وثقافة الشرق إلى ماضي هذه المنطقة الثوري. نشأ أركة صابر، أو فنان الثورة البجاوية كما يلقب، صاحب الدرر من أغاني البجا كأغنية 'تربندي' أي البطل، التي أصبحت في فترة وجيزة أهزوجة على لسان كل سوداني ناهيك عن الإنسان البجاوي، في بيئة غنية بالفنون في منطقة لكوييب على الحدود السودانية الإرترية. فور أن شب عن الطوق أصبح يغني لأصدقائه والمقربين منه بمصاحبة العزف على آلة الباسنكوب.

"البجا يمتازون بمقطوعات موسيقية، على آلة الباسنكوب أو الربابة، يفوق عمرها مئات السنين يتوارثها الناس كابرا عن كابر وما زالت تعزف كما هي".

قرر أركة الانضمام إلى ركب الثورة التي أطلقها مؤتمر البجا وكان وهو في الداخل متابع لكافة أنشطتهم واجتماعاتهم. "بسرية تامة استطعت العبور إلى الحدود الإرترية ليتم إستيعابي كمقاتل في صفوف الثوار".

في هذه الفترة كثف من نشاطه الفني فألف أكثر من مائة أغنية تتعدد مواضيعها بين الحماس والفروسية ووصف الطبيعة، والأغاني ذات المضامين الإصلاحية، كحث أهله البجا الاتجاه نحو التعليم وخاصة تعليم البنات، ونبذ العادات التي أقعدت الإنسان البجاوي عن النهوض بشرق السودان. 

عقب توقيع إتقافية سلام الشرق بأسمرا وانتهاء مشوار النضال، تم إستيعاب أركة في رتبة الرائد وإحالته إلى التقاعد الإجباري. 

"الأجهزة الإعلامية بكافة أنواعها لا تتيح الفرصة لنا" يقول أركة. "رغم نضالنا لم نستطع تغيير العقلية القابضة للسلطة في الخرطوم". "أحلم بيوم أرى فيه أبناء شرق السودان وقد نالوا جميع حقوقهم الاقتصادية والسياسية والثقافية." 

جميع مواضيعنا متوفرة لإعادة النشر. نرجو الاتصال بنا عبر عنوان بريدنا الالكتروني عند إعادة نشر تقاريرنا، صورنا أو أفلامنا.