الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

الموت المجاني في كسلا

حامد إبراهيم
كان مؤشر السرعة في معظم ساعات الرحلة يتجاوز 140 كلم في الساعة، أثناء سفر مراسل النيلان حامد إبراهيم مع أحد البصات السفرية. عندما لاحظ السائق نظرات المراسل المتكررة، قام بلزق إيصال مالي على شاشة المؤشر.
29.10.2015  |  كسلا، السودان
حادث مروري في كسلا، سبتمبر 2015.  (الصورة: النيلان | حامد إبراهيم)
حادث مروري في كسلا، سبتمبر 2015. (الصورة: النيلان | حامد إبراهيم)

قبل فترة وجيزة، شهدت منطقة الملوية، ثلاثين كلم جنوب غربي مدينة كسلا، بشرق السوُّدان، حادثاً مرورياً مروِّعاً عندما اصطدم بص سفري بشاحنة مسرعة. أسفر الحادث عن مقتل ستة أشخاص وإصابة العشرات بجروح.

وبالرغم من أنَّ شرطة مرور ولاية كسلا قامت بالإسعافات اللازمة بالسرعة المطلوبة وخفَّ الوالي وكبار المسئولين بحكومة الولاية إلى قسم حوادث مستشفى كسلا التعليمي لمتابعة حالات المصابين ومواساة أسر الضحايا، إلاَّ أنَّ الحادث الذي تسببت فيه السرعة الزائدة ، حسب تقديرات شرطة المرور بالولاية، أثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن هنالك خللاً ما في منظومة مراقبة المركبات العامة وتحديداً من قبل شرطة المرور السريع.

ترتفع نسبة حوداث المرور في الأعياد وهو موسم تكثر فيه حركة الناس بين عاصمة ولاية كسلا والولايات لقضاء عطلة عيد الأضحى ومن ثم الشروع مرة أخرى في رحلة العودة لمزاولة الأعمال. درجت شرطة المرور على تسيير البصات في شكل قوافل طويلة فيما يعرف بـ ”تفويج المركبات“، وهي عملية علاوة على أنها مكلِّفة فهي موسمية ومؤقتة.

يعتبر البعض عملية التفويج هذه دليل عجز وليس إنجازا، وتنطوي على اعتراف ضمني من قبل شرطة المرور بأن المركبات العامة تسير بسرعات عالية في الأيام التي ليس بها تفويج وهو أمر كان يجب أن يواجه بالحسم وتطبيق القانون. 

ورد في تقرير رسمي صادر عن وزارة الداخلية السُّودانية أنَّ حوادث المرور تتسبب في  2000 حالة وفاة سنوياً، وأن أكثر من 60 في المئة من الذين يسافرون خارج السُّودان طلباً للعلاج هم من شريحة مصابي الحوادث المرورية. 

من المعلوم أنَّ السُّودان يعتبر من الدول التي ترتفع فيها نسبة حوادث المرور بصورة كبيرة وينتج عن ذلك خسائر في الأرواح والممتلكات. وقد ورد في تقرير رسمي صادر عن وزارة الداخلية السُّودانية أنَّ حوادث المرور تتسبب في  2000 حالة وفاة سنوياً. وورد في ذات التقرير أن أكثر من 60 في المئة من الذين يسافرون خارج السُّودان طلباً للعلاج هم من شريحة مصابي الحوادث المرورية. ومعلوم ما يترتب على ذلك من أعباء إضافية على الأسر.

يرى عدد من المختصين أنَّ حوادث البصات السفرية أكثر انتشارا وأعظم ضرراً وذلك بسبب استغلالها من قبل شريحة كبيرة من المواطنين في تنقلاتهم من مدينة لأخرى لمختلف الأسباب الإقتصادية والإجتماعية في بلد مترامي الأطراف. وتعدُّ البصات السفرية الوسيلة الأكثر تداولا بين الناس، وذلك لندرة الوسائل الأخرى المنافسة كالقطارات، التي تعتبر عالميا الأكثر أمانا والأرخص سعراً، بعد أن شهدت خدمات السكة الحديد في السنوات الأخيرة تدهوراً مريعاً في أدائها وتوقفت عن تقديم خدماتها في معظم أنحاء السودان.

ظلَّ الإعلام السوداني يتناول الحوادث المرورية تناولاً خاطئاً لا يؤدي للتوعية المطلوبة، بحسب آراء مختصين، حيث ظل يركز على عامل واحد من العوامل المسببة لحوادث المرور وهو رداءة الطرق دون غيره من الأسباب. هكذا تناسى الإعلام أخطاء السائقين وشرطة المرور التي تقف عاجزة عن ردعهم، فما أن يقع حادث مروري تزهق فيه عشرات الأرواح إلا وتتبارى وسائل الإعلام السودانية وتبرز العناوين البارزة عن أن ـ الطريق الفلاني يحصد مزيدا من الأرواح ـ ولا تستنكف أن تطلق الألقاب على بعضها كلقب ”طريق الموت“ الذي يطلق على طريق الخرطوم - مدني.

الطرق وإن كانت رديئة وضيِّقة ومليئة بالحفر والمطبات وتحتاج بالفعل إلى جهد كبير من الدولة لإعادة تأهيلها وصيانتها، إلا أنه يفترض أن يسير عليها السائق بالسرعة التي تسمح بها هذه الطرق. سوء الطرق يمكن أن ينجم عليه تأخير المسافرين ولكن ليس مسئولية الطريق أن تزهق فيها الأرواح. 

لقد عزا كثير من المتابعين الأمر إلى قلة الوعي المشترك بين المواطنين والسائقين. يقول المواطن عادل عبد المنعم أن سائقي البصات يجهلون أو يتجاهلون أبسط قواعد السلامة ويقودون المركبات بسرعات جنونية. ”الغريب في الأمر أن معظم الركاب يستحسنون ذلك بالرغم من الخطورة البالغة التي ينطوي عليها“ يستغرب عبد المنعم.

الدول التي حولنا لا تتلاعب البتة في مسألة السرعة الزائدة، وينفذون عقوبات رادعة على السائقين المستهترين تصل إلى السجن وسحب رخصة القيادة. 
الباقر عثمان، مواطن

وصف الباقر عثمان، من سكان مدينة الخرطوم بحري، أداء شرطة المرور في هذا الجانب بأنه دون طموحات المواطنين، قائلا أن ”الدول التي حولنا لا تتلاعب البتة في مسألة السرعة الزائدة، وينفذون عقوبات رادعة على السائقين المستهترين تصل إلى السجن وسحب رخصة القيادة“. وناشد عثمان وزير الداخلية السوداني بعدم التهاون في تأمين أرواح المسافرين. يشير مراقبون إلى أنه من اللازم على الشرطة أن تسخِّر كل إمكانياتها لمزيد من مراقبة أداء وسائل النقل والركاب، كما عليها وضع برنامج دقيق لرقابة عمل هذه البصات تفتيشا ومراقبة وتحديداً لسرعاتها وتوعية لسائقيها.

الحملة الرقابية الأخيرة على البصات السفرية تستهدف السائقين في عملهم وقوتهم.
محمد عبد الرحمن، سائق

كان المجلس الوطني قد أجاز في العام الماضي قانوناً جديداً للمرور فيه تشديد على مراقبة سرعات البصات السفرية، وقامت الشرطة بوضع رادارات على الطرق السريعة لمراقبة السرعة الزائدة للمركبات. ساهمت هذه الخطوة، بحسب مواطنين، في الحدِّ من كثرة الحوادث.

أوضح العقيد شرطة نادر أحمد عبد الخير، مدير شرطة مرور ولاية كسلا، للنيلان أن شرطة المرور السريع تقوم بجهود كبيرة من أجل تأمين سلامة مستخدمي الطرق القومية، بما فيهم ركاب البصات السفرية، وقال أنهم ظلوا يشددون على عدم تجاوز السرعة المسموح بها وأنَّ شرطة المرور تقوم بمراقبة مستخدمي الطريق عبر الرادار وعبر وسائل أخرى.

وكشف عبد الخير عن دخول تقنيات جديدة أكثر تطوراً منها الرادار المتحرك لمراقبة الطرق، في وقتٍ عبَّر بعض السائقين عن تذمرهم من الرقابة التي بدأت تنفذها شرطة المرور.

على السائقين أن يخافوا الله في الأرواح البشرية التي يحملها جوف مركباتهم والإنضباط التام بالسرعة المسموح بها. 
فائزة عمر، معلمة

يقول السائق محمد عبد الرحمن إن ”الحملة الرقابية الأخيرة على البصات السفرية تستهدف السائقين في عملهم وقوتهم“. وفسر عبد الرحمن أن بعض زملائه تم سجنهم كما تم تغريم البعض الآخر منهم مبالغ طائلة أو سحب رخصة القيادة منهم، متهما بعض الجهات بمحاربة البصات السفرية لمصالح تخصهم.

من جانبها حمَّلت فائزة عمر، معلمة، شرطة المرور مسئولية تطبيق قانون المرور على الجميع دون رهبة أو خضوع لضغوط، في إشارة منها لإضراب عام نفذته نقابة سائقي البصات السفرية بمدينة كسلا العام الماضي بعد أن حكم قاضي بسجن زميل لهم بعد ثبوت تجاوزه السرعة المسموح بها.

قالت عمر: ”على السائقين أن يخافوا الله في الأرواح البشرية التي يحملها جوف مركباتهم والانضباط التام بالسرعة المسموح بها وهي في الغالب لا تتجاوز الثمانين كلم في الساعة.“ وتساءلت: ”كيف يسمح لبص سفري يحمل في جوفه أكثر من خمسين روحا بما فيهم الأطفال والمرضى والعجزة أن يسير بسرعة جنونية بالصورة التي يشاهدها ويعيشها الناس كل يوم؟“

جميع مواضيعنا متوفرة لإعادة النشر. نرجو الاتصال بنا عبر عنوان بريدنا الالكتروني عند إعادة نشر تقاريرنا، صورنا أو أفلامنا.