الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

’أنا أكثر حماسا للخلاص من الإنقاذ’

رشان أوشي
الخرطوم - مراسلة ’النيلان’ رشان أوشي تحاور رئيس الهيئة العليا لتحالف قوى الإجماع الوطني فاروق أبو عيسى حول المدة التي أمضاها سجينا بعد توقيعه لوثيقة ’نداء السودان’.
19.05.2015
فاروق أبو عيسى رئيس الهيئة العليا لتحالف قوى الإجماع الوطني، في منزله، أكتوبر 2012.
فاروق أبو عيسى رئيس الهيئة العليا لتحالف قوى الإجماع الوطني، في منزله، أكتوبر 2012.

جاءني صوته عبر الهاتف خافتا على غير عادته، فلم أتعود على غير الحيوية منه. أخبرته بأنني سأكون في منزله في المساء للاطمئنان عليه. وبالفعل، حوالي السادسة كنت أصعد درج بيته في حي الرياض، تصطحبني كريمته نهلة إلى غرفته الخاصة.

وجدته مستلقا على سريره منهك الجسد، ولكنه بذات الحفاوة التي يستقبل بها ضيوفه. حدثني فاروق أبو عيسى، رئيس الهيئة العليا لتحالف قوى الإجماع الوطني، عن المدة التي أمضاها سجينا بعد توقيعه لوثيقة ’نداء السودان’.



س: كيف كانت ظروف اعتقالك الأخير، مقارنة مع اعتقالاتك السابقة؟

ج: لم أعتقل من قبل في عهد الانقاذ، عندما نفذوا انقلابهم عام 1989. كنت في مصر أعمل كأمين عام لاتحاد المحامين العرب. ولكني اعتقلت في حكومة مايو، بعد انتفاضة ’شعبان‘، حيث مكثت حوالي ستة أشهر [في السجن]. نميري أفرج عن جميع المعتقلين ماعدا أنا وعابدين اسماعيل. كان يعتبرنا من المقربين إليه، وغضب عندما خرجنا في موكب ’شعبان‘.

في العام 1963 مكثت في سجن كوبر ستة أشهر أخرى لأنني قدت مظاهرة احتجاجا على مسلك الحكومة تجاه مقتل الزعيم الافريقي بارتس لوممبا.

س: كيف تبدو أوضاع السجون حاليا مقارنة مع الأنظمة السابقة؟
ج: لا توجد مقارنة، حاليا الأوضاع رديئة جدا، فيها غلظة ولؤم.

’حبسنا في غرفة واحدة أنا وأمين مكي مدني‘س: هل تعرضت لهذا اللؤم؟
ج: لا، ما اتلائموا معانا، كانت المعاملة مقبولة. واجهنا صعوبات في الأسبوعين الأولين. وبعد ذلك غادرنا إلى سجن كوبر، حبسنا في غرفة واحدة أنا وأمين مكي مدني.

س: كنا نسمع عن تدهور حالتك الصحية بين الفينة والأخرى. كيف واجهت ذلك؟
ج: الأسبوع الأول كنت في زنزانة انفرادية. هناك أصبت بهبوط مفاجئ في ضغط الدم. دخلت في كوما، وخرجت منها بإعياء وضعف شديدين، وفقدان الشهية. لم أتناول الطعام لمدة شهر كامل، كنت أكتفي بالحليب.

س: كيف كان يتم التعامل مع طلباتكم؟
ج: أنا لم أطلب شيئا من أحد، كنت أتحاشى رفض طلباتي. أوضاعنا في كوبر كانت أفضل. الغرفة كانت فسيحة، وعندما أصبت بالوعكة الثانية تم نقلي إلى مستشفى الشرطة. هناك وجدت عناية طبية جيدة وتحسنت صحتي مع زيارات أسرتي. عموما المعاملة لم تكن قاسية كعادة الإنقاذيين. من أسباب ذلك الحملة الدولية غير المسبوقة.

س: كيف كنت تمضي وقتك في السجن؟
ج: كنت أمضي يومي في القراءة. اتفقت أسرتي وأسرة أمين مكي مدني على تبادل جلب الطعام والصحف يوميا. كنت أطالع كذلك كتبا خفيفة كالروايات. قرأت لنجيب محفوظ، يوسف إدريس، وعلاء الأسواني.

س: هل كانت تصلكم أخبار الشارع داخل السجن؟
ج: كنا نتابعها أول بأول. لا أحد يستطيع أن يسجن أحدا ويفصله عن العالم الخارجي، خاصة إن كان السجين مثلي. مثلا، كنا محتجزين في زنازين ’الغربيات’، في النهاية الشمالية لسجن كوبر، بعيدين عن الرئاسة والمدخل. عندما كنا نذهب لتلقي زيارات أسرنا، كنا نعبر السجن كله، فكان المساجين يهتفون لنا ’الله أكبر’ و ’لله الحمد’، ويعزمونا للطعام، لأنهم سودانيون، أينما كانوا.

’الحكومة لديها مرارة ضد الصادق المهدي، وأرادوا بعقابنا نحن الانتقام منه‘س: ما شعورك وأنت تواجه تهما حكمها الإعدام؟
ج: أنا رجل مؤمن بالله، الحياة والموت شيء مكتوب ومسطر، فلن أموت قبل يومي. كنت على ثقة بأن هذا [حكم الإعدام] لن يحدث لأن القضية تافهه. هم[الحكومة] خسروا باعتقالنا. كنت على يقين بأن الموضوع جله رسائل، خاصة لمن هم في الخارج، وعلى رأسهم الامام الصادق المهدي. الحكومة لديها مرارة ضد الصادق المهدي، وأرادوا بعقابنا نحن الانتقام منه.

س: لمذا طلبت أن تدافع عن نفسك في المحكمة؟

ج: حدث اضطراب في أداء الدفاع ولم اكن مرتاحا. كنت أعتقد أنني نسيت القانون بسبب ابتعادي عن المهنة لفترة طويلة، لكنني وجدت نفسي أتذكره أفضل من بعض الممارسين للمهنة حاليا. كانت المحكمة عادلة لحد كبير والقاضي محترم وسوداني، وعاملنا معاملة رجل محترم، والاتهام لم يكن لئيما. كانت الأمور واضحة، لا القاضي مقتنع بأنها قضية ولا نحن. كانت مسرحية، وجرجرونا حتى وصلنا للانتخابات.

س: هل فكرت باعتزال العمل السياسي؟

ج: فكرت ان أعتزل في أوقات سابقة خصوصا أثناء المرض، لكن هذه المرة أنا أكثر حماسا للخلاص من الإنقاذ.

’مستوى الوعي والإدراك لدى السودانيين كبير حاليا، بنشاطنا وبقية اليساريين التقدميين والأحزاب التي ناهضت الاستعمار‘

س: بدأت نشاطك السياسي قبل ستين عاما من اليوم. في تقديرك، ما الذي حصدته؟
ج: بنينا مع آخرين كتلة مستنيرة من الناس، عندهم أهداف تقدمية وديمقراطية، واعون بالمصالح الحقيقية لأبناء السودان البسطاء والفقراء.

لو لم ننجز كل هذا، كانت المسائل في السودان ستكون مظلمة، لا رؤى ولا تفاؤل. مستوى الوعي والإدراك لدى السودانيين كبير حاليا، بنشاطنا وبقية اليساريين التقدميين والأحزاب التي ناهضت الاستعمار. لذلك شعب السودان من أوعى الشعوب العربية والإفريقية، لا ييأس.

س: كيف ترى تضامن الناس مع قضيتكم؟

ج: أشكر كل من وقفوا معي وساندوني من الشعب السوداني وهيئة الدفاع والقوى السياسية.