الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

حركات التغيير الشبابية السُّودانية - أمل لم تكتمل ملامحه

عثمان شنقر
شهدت المظاهرات بجامعة الخرطوم وعدد من الجامعات الأخرى التي بدأت في شهر مايو الماضي مشاركة العديد من حركات التغيير الشبابية، التي عكست بشكل كبير عجز الأحزاب التقليدية السودانية في إحداث تغيير حقيقي في البيئة السياسية.
14.06.2016  |  الخرطوم، السودان
الحركات الشبابية السودانية وحملاتها.  (الصورة: النيلان)
الحركات الشبابية السودانية وحملاتها. (الصورة: النيلان)

برز خلال السنوات الأخيرة عدد من حركات التغيير الشبابية في السودان، عقب أحداث الربيع العربي، كتطور طبيعي للحراك السياسي المقاوم. 

حظيتْ تجارب الحركات الشبابية التي تهدف للتغيير السياسي والاجتماعي، بنجاحٍ منقطع النظير في العديد من المنابر، خاصّةً بعد الثورات التي اجتاحت العالم العربي لاسيَّما ثورة ١٧ ديسمبر التونسية، وثورة ٢٥ يناير المصرية، وثورة ١٧ فبراير الليبية، وثورة ٣ فبراير اليمنية. وقد اتسمت هذه الثورات بالطابع الشبابي وتعتبر أول تجارب لثورات شعبية في مطالع القرن الحالي.

عجز الأحزاب 

لم يكن السُّودان بمعزلٍ عمّا يدور حوله من أحداثٍ عاصفة وموّارة بالحيوية الفائقة، فقد أنجز السُّودان من قبل ثورتين: الأولى في أكتوبر ١٩٦٤، أسقط بموجبها حكم الجنرال إبراهيم عبّود، والثانية ثورة ٦ أبريل ١٩٨٥ ضد دكتاتورية نميري.  

لكن كثير من المحللين السياسيين يرون أنَّ الأحزاب السياسية التي استطاعت اقتلاع دكتاتورية عبّود ونميري، في ثورتين شهد بهما العالم، أصبحتْ عاجزة عن اقتلاع نظام الاسلاميين الحالي في الخرطوم.  

أسباب إزالة نظام الحكم الحالي كلها صارت متوفرة، فلقد ارتكب الكثير من المظالم في حق السُّودانيين؛ فهو قد فصل جنوب السودان، وأشعل فتيل أزمة دارفور، وأحال الآلاف للصالح العام، ويخوض الحروب في أكثر من جبهة قتالية، بجانب فشله الاقتصادي الماثل.

عجز الأحزاب السياسية بأطرها القديمة لن يسهم في تغيير النظام. ويراهن المراقبون للوضع السياسي على حركات التغيير الشبابية التي برزت مؤخراً بصورة فاعلة في السّاحة.

يرى الباحث حسن بكري، أستاذ في عدد من الجامعات السودانية منها جامعة النيليين، أنًّ تراجع الدور النضالي للأحزاب السودانية وموات الحراك السلمي الشعبي في مواجهة النظام الحاكم أدى حتميا إلى ظهور أجسام نضالية تستوعب طاقة الشباب المهدرة للتعبير سياسياً وإجتماعياً. "كان ظهور المجموعات الشبابية أمراً واقعياً ومنطقياً، ليس لتحل محل الأحزاب وانما لتدفع حركة النضال نحو وتيرة أسرع بعيداً عن القيود التنظيمية للأحزاب وبمرونة تشبه الشباب" يقول بكري.  

ونتيجة لهذا الحراك الشبابي برزتْ مجموعة شبابية تُسمى 'قرفنا' كباكورة للعمل الشبابي بكادر ديمقراطي نوعي وخلطة حزبية. دَّشنتْ المجموعة عملها العام بنزولها بقصاصات ورقية ومنشورات مناهضة للحكومة الى الشوارع وشرعت في مخاطبات جماهيرية في الأسواق والأماكن العامة بالعاصمة ثم لاحقاً خرجت من الخرطوم الى الولايات الأخرى، متبعة نفس نمط وأسلوب المقاومة السلمي.

ولكن عند انتخابات ٢٠١٠ التي فاز بها نظام حزب المؤتمر الوطني الحاكم تراجعت الكثير من أساليب العمل العام نتيجة للاحباط الذي أصاب الكوادر الشبابية في هذه المجموعة وغيرها من المجموعات.  

وفقاً للمختص في شئون الحركات الشبابية الباحث بكري فإن شباب مجموعة 'قرفنا' تساءل: هل كنا مجرد مجموعة مناهضة للقوانين وتسعى لاسقاط النظام عبر الصناديق، أم أننا حركة نضالية ثورية ستكمل الطريق بآليات جديدة؟

من خلال طرح السؤال أعلاه، حسب بكري، فان الحركة الشبابية سرعان ما استعادت حيويتها في الشارع. ولكن عددا من العوامل أدت إلى همد نار جزوة المجموعة، من الصراعات التي سرعان ما ظهرت داخلها، محاولات "التغويص" الممنهجة من قبل الأجهزة الأمنية، وصراع المجموعة مع الأحزاب التقليدية التي لامت الحركة الشبابية على هدر كادرها الشبابي الذي تركها ليلتحق بالحركة.

بعد فترة قليلة، ظهرت حركة شبابية أخرى اتخذت من اسم 'شرارة' عنواناً صريحاً لها.

'شرارة' تشتعل 

هذه المرة بدأت الفكرة عبر مجموعة شباب مقيمين في إحدى الأقطار العربية، أنشأت صفحة هزلية على الفيسبوك. تحدثت الصفحة عن غلاء الأسعار والوضع السياسي في السودان، لتحشد في أسبوعها الأول أكبر حشد شبابي، سريعا ما تفاعل بتعليقاته مع الصفحة لتكون الفكرة لكيان شبابي جديد.

تحولت 'شرارة' إلى بذرة عمل نضالي بشباب غير مندرج في قوائم الأحزاب السياسية وقد كانت تجربة ومبادرة عفوية إلاَّ أنها حرّكت الشارع في أحداث ومظاهرات ٣٠ يناير، ٢٠١١، ومن ثمّ تحولت من حركة افتراضية لحركة حقيقية على الأرض. 

اعتمدت هيكلة 'شرارة'، حسب أدبياتها المنشورة، على عناصر وكوادر ديموقراطية ودشنت البناء القاعدي لها بالعاصمة والولايات بالاعتماد على العلاقات الشخصية والمعارف. 

كانت المحصلة أن تمت الهيكلة والتنظيم والتشبيك المثالي لأكبر قاعدة عرفتها المجموعات الشبابية في البلاد. هذا جعل حراكها النضالي قوياً ومؤثراً وقد استحال على الأجهزة الأمنية التعرُّف على عناصر 'شرارة'. 

ولم يمض وقت طويل حتى أطلت الأزمات ومشكلات العمل العام برأسها في عمل الحركة، فبرزت مشكلة التمويل التي تغلّب عليها شباب الحركة بآلية التبرعات. 

المشكلة الثانية كانت ظهور عناصر أسفيرية معظمهم كانوا كوادر تابعة لجهاز الأمن. توقفت شرارة لاحقاً عن العمل العام شأنها شأن الكثير من المبادرات الشبابية التي لا تصمد كثيراً في السّاحة. 

نضال الصفوة

الفراغ الذي تركته 'شرارة' سرعان ما سدّته مجموعة أخرى أطلقت على نفسها اسم 'التغيير الآن'. يرى البعض أن 'التغيير الآن' خرجت من رحم حملة 'الأمل والتغيير' الانتخابية لمرشح الحركة الشعبية ياسر عرمان، إبّان انتخابات ٢٠١٠، بينما يرى آخرون أنها تكونت في واحد من أندية الخرطوم باعتبارها حركة تغيير اجتماعي.

مثل غيرها من المجموعات الشبابية الطامحة في التغيير، دشنتْ المجموعة عملها بحملة إلكترونية عن طريق الفيسبوك، تحمل اسم 'أبينا' التي تعني الرفض. كان لهذه الحملة أثر اعلامي كبير ساهم في تحريك موات السّاحة السياسية.

 تأرجح الخط السياسي للمجموعة بين إسقاط النظام سلمياً، الحوار معه، ودعم العمل المسلح. لكنّ كثير من أعضاء الحركة ينكرون هذه الاتهامات ويرفضونها ويؤكدون على خط الحركة الواضح الداعم لعملية إسقاط النظام. 

يرى كثير من المحللين السياسيين أنّ أحداث سبتمبر في السّودان التي سقط فيها أكثر من ٢٠٠ شهيداً برصاص الشرطة، أتاحت للحركة أن تكون كياناً موازياً للأحزاب السياسية من خلال سطوع نجمها الاعلامي الكبير وعلاقاتها الممتدة خارج البلاد. إلاّ أن هذا الحراك الاعلامي الكبير أثناء هبّة سبتمبر لم يصاحبه سوى مساهمة خجولة في الحراك الشعبي الذي تقدمته مجموعات أخرى.

وسم نشاط 'التغيير الآن' حراك ايجابي تجاوزت به سلبيات العمل العام الذي وَسم سابقاتها، إذ لم تعاني الحركة كثيراً من صراعات الأحزاب داخلها. 

لم تعاني 'التغيير الآن' كثيرا من صراعات الأحزاب بداخلها لأنها كانت – ببساطة – حركة مغلقة في قيادتها لعناصر معينة، وظلت القيادة مرتبطة بقاعدتها بهرم تنظيمي بقدر كبير من التأمين. 

ولكن رغم هذه الاحترازات وإجراءات التأمين إلاّ أنها لم تسلم من الاختراق الأمني، حيث وجدت الأجهزة الأمنية ثغرة الدخول الى الحركة عندما قررت النزول الى الشارع في سبتمبر، الأمر الذي فرض عليها التعامل مع مجموعات كثيرة على الأرض استطاع عبرها الأمن أن يدخل إلى جسم الحركة.

ولمعرفة سبب فشل عدد من الحركات الشبابية في السودان، ربما علينا العودة أولا لمحاولة فهم معنى المصطلح نفسه. يقول المحلل السياسي والصحفي في جريدة الخليج علاء الدين محمود إن مصطلح 'حركات شبابية' يبدو له ملتبسا، ويتساءل: "ما هو المشروع السياسي والاجتماعي الذي يمكن أن يضم 'حركات شبابية' في واقع متمايز اجتماعيا وطبقيا؟"  

يفسر محمود أنه يفهم وجود شباب يمثلون حركة ما معينة لأنها في الأخير تمثل فئة أو طبقة اجتماعية. "شرط التماثل هذا يبدو ضروريا جدا في الحديث عن حركة شبابية، أما وجود حركات شبابية مدمجة جسد واحد ذات مشروع واحد فهذا لا يبدو مفهوما بالنسبة لي، إلا في محاولة بائسة تدعي تمثيل كل الشعب، وهذا أيضا يحمل ادعاءات كبيرة".

ويرفض محمود حصر النضال السياسي في فئة عمرية ويرى فيه "مصادرة مجحفة لحق الآخرين في هذه العملية والتي هي عملية سياسية تهدف في الأخير لانتصار فكرة وليس جيل". 

ويفسر بروز حركات التغيير الشبابية بأنها نتاج ظروف غير طبيعية، يقصد بها انكماش دور الاحزاب السياسية، مشيراً الى إنتماء كوادر هذه الحركات لحزب معين أو تيار معين، "ولكن ضيق المواعين الحزبية جعلهم يتنفسون برئة خارجية خارج جسد الحزب".

فيما تعتبر المواطنة عائشة حسن الحركات الشبابية حركات مطلبية، تبعث الأمل وتعزِّز ثقة الجماهير في نفسها. وتقول أن "بعض هذه الحركات يتسم عمله بالنظام والوعي وبعضها يعتمد الارتجال والتلقائية"، وترى أن الحركات الشبابية "تحتاج للتنسيق فيما بينها وقيادة مبادرة وواعية وسريعة في الترتيب مع الفئات الاخرى النقابية والحزبية".

أمّا الناشط السياسي في الحزب الديموقراطي الليبرالي الطيب عبد السلام فيرى أن نجاح عملية التغيير في السودان يعتمد على التحرك العسكري لأن الدولة، من وجهة نظره، تُدار بعقل أمني. ويكشف عبد السلام عن أزمات عميقة داخل تلك المنظومات الشبابية "لأنها تلغي الرؤية الفكرية التي تعمل بها و يكون وعيها هو وعي الاندفاع الفاقد لأي معرفة أو فكرة عميقة".

أدراج الرياح؟

شأنها شأن الأحزاب السياسية عانتْ الحركات الشبابية الطامحة للتغيير السياسي والاجتماعي من جُملة مُقعدات ومُعيقات ومشكلات تبدو متشابهة ومتباينة في ذات الوقت مقارنة بالمشكلات التي عانتْ منها القوى السياسية. 

ساهمتْ هذه المشكلات في عدم تحقيق الحركات الشبابية لأهدافها المعلنة في التغيير. يجمل المحللون هذه المشكلات في عديد الأسباب. الحركات الشبابية فشلت من ان تقوم بحركة ديناميكية في تكوين قواعد جماهيرية، وعدم وجود هيكلة تنظيمية واضحة لكي ما تتحرك عبرها بصورة منتظمة وفاعلة لإحداث عملية التغيير. 

هذا وعانتْ الكثير من هذه الحركات من اختراق الأجهزة الأمنية، الأمر الذي جعلها أسيرة وتسيطر عليها الخلافات والانقسامات، وعدم القدرة في التحرك بصورة فاعلة وسط الجماهير.

يتضح أن كل هذه الحركات، فشلت في تقديم نموذج يسهم في تغيير الاوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في السّودان، وذلك يعود لسببٍ جوهري وأساسي، وهو أنَّ هذه الحركات الشبابية لم تتجاوز أمراض الحزب السياسي السوداني التقليدي القديم. 

هذه الحركات في نفس الوقت مهيأة أكثر من غيرها لتجاوز أمراض وعقبات الماضي، لاستشراف مستقبل جديد، بأدوات عمل سياسي جديدة ومبتكرة وخلّاقة لا تقتصر على الوسائط الإلكترونية فحسب، انما تتجاوزها لمخاطبة الشارع والمواطن مباشرة، وتجاوز كل مشكلات الصراعات الداخلية والاختراق الأمني.

وبطبيعة الحال، فعلى الحركات الشبابية، وعلى رأسها حركة 'التغيير الآن'، مغادرة محطة إسقاط النظام لمحطة أخرى، تطرح فيها برنامج عمل استراتيجي لمرحلة ما بعد سقوط النظام. 

هذه مشكلة تقع فيها كل القوى السياسية المعارضة في السودان، فهي لا تفكر، في الوقت الراهن، سوى في إسقاط النظام. ويبدو أن عدم مرافقة أي ترجمة عملية للرؤية الفكرية للتغيير على المدى القريب أو المتوسط أو البعيد، ستضعف العمل السياسي المعارض لفترات قد تمتد طويلاً. 

عليه، فإن القوى السياسية والحركات الشبابية، إن لم تغيِّر أساليب عملها بصورة فعالة وملموسة، فإن المواطن السوداني سيركن للوضع الراهن الذي يعرفه ولن يفتح أبوابه لمجهول لم يختبره.

جميع مواضيعنا متوفرة لإعادة النشر. نرجو الاتصال بنا عبر عنوان بريدنا الالكتروني عند إعادة نشر تقاريرنا، صورنا أو أفلامنا.