الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

التغيير بآلية الموت - صراع الأجيال في أحزاب السودان

رشان أوشي
صراع محتدم حول القيادة يضرب أطناب الأحزاب السياسية السودانية، حيث تعالت أصوات الشباب داخل الهياكل التنظيمية مطالبين بإفساح المجال للكوادر الشبابية لاعتلاء أعلى قمم الهرم التنظيمي، وتنحي الكهول من القيادات.
11.05.2016  |  الخرطوم، السودان
شعارات عدد من الأحزاب السودانية.  (الصورة: النيلان)
شعارات عدد من الأحزاب السودانية. (الصورة: النيلان)

أربعة عقود:

منذ إعدام السكرتير العام الاسبق للحزب الشيوعي عبد الخالق محجوب على أيدي نظام الرئيس الأسبق جعفر نميري سنة ١٩٧١، تولى محمد إبراهيم نقد، منصب السكرتير العام لمدة واحد وأربعين سنة، انتهت برحيله في العام ٢٠١٢. 

ومن هنا احتدم الصراع داخل الحزب الشيوعي بين الشباب والحرس القديم حول تولي القيادات الشابة زمام الأمور في الحزب العجوز. 

طفا هذا الصراع إلى السطح إثر قرارات اللجنة المركزية بإنهاء تفرغ وإيقاف نشاط حوالي ٢٧ من قيادات الحزب التاريخية والمعروفة، وسط ترجيحات بأن السبب وراء هذه الخطوة هو الإطاحة بقيادات تقود تيارا مؤثرا، قبيل انعقاد المؤتمر العام السادس في ديسمبر القادم. قرار الإيقاف شمل عشرين من قيادات الحزب بينهم الشفيع خضر، حاتم قطان، محمد سليمان محمد، فيصل بشير، وهاشم تلب، خوفا من نشاط يقوده الرجال لإحداث تغيير على مستوى القيادة حيث يحظون بتأييد واسع من الشباب.

وكانت مجموعة الشفيع خضر، تقود تيارا تجديدا داخل الحزب صعدته منذ المؤتمر العام الخامس المنعقد في العام ٢٠٠٩، حيث طالبوا بضرورة ضخ دماء شابة داخل اللجنة المركزية للحزب، ثان أعلى سلطة تنظيمية بعد المؤتمر العام. طالبت هذه المجموعة كذلك أيضا بضرورة أن يتولى منصب السكرتير العام أحد الشباب، بينما تمسكت القيادة التاريخية بمواقعها، ورفضها. 

قال الشفيع خضر موضحا موقفه لـ 'النيلان': "قناعتي الراسخة أن الصراعات الفكرية في الأحزاب والمؤسسات السياسة هي ظاهرة صحية وضرورية لتطويرها، ما دامت هذه الصراعات تدار بنزاهة وديمقراطية. وبهذا الفهم سأظل أخوض الصراعات الفكرية داخل الحزب الشيوعي السوداني منطلقا من منصة البحث عن أفضل السبل للمساهمة مع الآخرين لتحقيق أماني و تطلعات الشعب والوطن."

يعتبر المحلل السياسي والباحث الاكاديمي النور آدم، المحاضر في جامعة الزعيم الأزهري في كلية العلوم السياسية والدراسات الاستراتيجية، في حديثه لـ 'النيلان'، أن تشبث القيادات بمقاليد الأمور داخل الأحزاب السياسية ألقت بظلال سالبة عليها، حيث خلقت مسافة شاسعة بين الأجيال داخل الاحزاب. 

"شهدت هذه الأحزاب تراجعا ملحوظا في عضويتها، وقد انعكس هذا التراجع بشكل ملحوظ على تأثير هذه الأحزاب ونفوذها السياسي في المجتمع، حيث لا يمكن لهذا التطور أن يستمر ويتقدم في غيبة تعددية حزبية فاعلة."

ولليمين نصيب:

لم ينحصر الصراع في مقاعد القيادة لدى الشيوعيين فقط، بل كان للجانب الآخر، أحزاب اليمين، نصيب الاسد، رغم أن حدته كانت أقل. 

لم يطالب الكثيرون بضرورة إصلاح الحال داخل الحركة الاسلامية، ولم يتذمروا من سيطرة الترابي على مقعد الأمين العام لعقود، بل أحاطوه بهالة وقدسية جعلته يبعد عن تفكيره مسألة التنحي عن الموقع المعني، حتى أبعده الموت قسرا. 

وتوفي زعيم حزب الإسلاميين في السودان حسن الترابي عن عمر ناهز ٨٤ سنة، وكان قد تولى منصب الأمين العام لجبهة الميثاق الاسلامي عقب عودته من دراسته العليا في العام ١٩٦٩. هذه هي الجبهة التي انبثقت منها جماعة الإخوان المسلمين، وبعدها أصبحت تعرف بالجبهة الاسلامية القومية، ومن ثم حزب المؤتمر الشعبي بعيد المفاصلة. وتعتبر المدة التي قضاها الترابي كزعيم حزب سياسي الأطول في السودان. 

ولكن لم يسلم حزب المؤتمر الشعبي في حياة الترابي من محاولات البعض كسر التابوه. 

دفع شباب الحزب بمذكرة للأمين العام قبل أعوام، أسموها بالمذكرة التصحيحية، طالبوا فيها بأعمال الشورى الداخلية وألا تتخذ القرارات إلا داخل المؤسسات التقريرية ذات الصلاحية - في إطار احترام مؤسسات الحزب، ومقتضيات قانونه الأساسي وبرنامجه العام. 

ودعت المذكرة إلى تفعيل جميع المؤسسات الحزبية القائمة بما يتيح أن تؤدي الأدوار المناطة بها، والاستناد إلى التفكير الجماعي وما يستتبعه من تدبير تشاركي في اتخاذ القرارات المصيرية، وألا يمنح تفويض لشخص ما مهما كان ليقرر ما يراه مناسباً هو وحده.

وجاء في المذكرة كذلك: "لا يمكن لحركة تريد الحياة والاستمرار ان ترجع كليا إلى الوراء ولا يمكن أن تركن إلى كهف تنام فيه ثم تصحو وقد تهيأ لها أن الأمور قد تطورت لصالحها أو أن الحياة توقفت عند لحظة إغفاءتها، فكل ترتيب وضعته الحركة قبل مرحلة وكل تجربة سابقة في المصالح أو الانتقال إلى وضع جديد تواجه به ظروفا طارئاً لا يمكن أن يصلح لحاضر يمور بالمتغيرات. الظروف تتغير باستمرار ولا بد من مواجهة الظروف الجديدة بحلول جديدة. إن النمو والتقدم في الحركة الإسلامية أمر طبيعي ومفهوم." 

لم يكن للمذكرة صدى كبير سوى في وسائل الاعلام، ولم تحدث تغييرا ملموسا داخل الحزب، ومضى الحال على ما هو عليه، إلى ان رحل الأمين العام للدار الآخرة، وخلفه إبراهيم السنوسي الذي يناهز الثمانين من العمر.

بقاء القيادات في مواقعها لفترة طويلة لا يقتصر على رؤساء الأحزاب وحدهم كما يقول الباحث أسامة بله إبراهيم، باحث مستقل يحلل لقناة فرانس ٢٤. إنه "يمتد إلى بقية أعضاء نخبة الحزب، وإن كان بشكل أقل، ونقصد هنا بنخبة الحزب أصحاب المواقع القيادية مثل نائب رئيس الحزب، وكيل الحزب، الأمين العام، الأمين العام المساعد، سكرتير عام الحزب ومساعدوه، أعضاء الهيئة العامة في الحزب….إلخ."

"لا شك أن طول فترة بقاء تلك القيادات، ولاسيما رؤساء الأحزاب، في مواقعها يجعل هناك ارتباطا وثيقا بين الحزب ورئيسه وهو ما يطلق عليه ظاهرة 'شخصنة القيادة' أو أحزاب الأشخاص. كلما زاد دور شخص معين أو مجموعة من الأشخاص في السيطرة المطلقة على الحزب وإدارته، كلما ضعفت إمكانيات تطور الديمقراطية داخل هذا الحزب" يفسر إبراهيم. 

حزب السيد:

الصراع الاكبر من نوعه شهده الحزب الاتحادي الديمقراطي (الأصل) الذي يترأسه محمد عثمان الميرغني، بالرغم من انه يعتبر الاحدث مقارنه مع بقية رؤساء الأحزاب التاريخية. 

تولى الميرغني رئاسة الحزب بعد رحيل الشريف حسين الهندي، في ثمانيات القرن الماضي، وظل متمسكا بمقعد رئاسة الحزب حتى الآن، رغم انقسام وتشظي حزبه إلى تيارات متفرقة آخرها 'تيار أم دوم'، الذي أقال الميرغني من مقعده في ديسمبر ٢٠١٥. 

ولم تقتصر الصراعات داخل الاتحادي على ضرورة تغيير القيادة فقط، بل إن خصوم الميرغني اتهموه بوضع الحزب في جيبه، واتخاذه للقرارات منفردا، متجاوزا المؤسسات التنظيمية. الآن الميرغني على فراش المرض، ويسعى لتوريث ابنه الحسن الميرغني، رئاسة الحزب، ضاربا بفكرة عقد مؤتمر عام عرض الحائط، متجاهلا حنق الشباب والطلاب والقيادات الوسيطة التي تطالب بضرورة إعادة إحياء مؤسسات الحزب وضخ دماء شابة في مكاتبه القيادية.

يشير الباحث إبراهيم إلى أن كل الأحزاب تعاني من مشكلة تكريس بقاء شخص واحد في قيادة الحزب، فمنذ الستينيات لم تتغير قيادات الأحزاب الرئيسية في السودان الا برحيل الزعيم، ولم يترك أي منهم هذا المنصب بل أصبح هو الحزب. 

إحدى الأزمات التي تنتج عن القيادة الطويلة للشخص الواحد هي ببساطة تقدم معظم هذه القيادات في السن وما يخلفه ذلك من جمود في الفكر وعدم إتاحة الفرصة لأجيال الوسط والشباب للمشاركة في قيادة الحزب. 

بالإضافة إلى ذلك "ارتباط الأحزاب بأشخاص بعينهم يجعل تلك الأحزاب تعاني مشكلة كبيرة فبمجرد رحيل تلك القيادة تدخل الأحزاب في أزمة عميقة يسببها النزاع الشرس على رئاسة الحزب، وهذا ما يقودنا إلى المظهر الثاني من مظاهر أزمة القيادة في الأحزاب وهو التنافس على رئاسة الحزب وما يصاحبها من انشقاقات ونزاع"، يضيف إبراهيم.

جميع مواضيعنا متوفرة لإعادة النشر. نرجو الاتصال بنا عبر عنوان بريدنا الالكتروني عند إعادة نشر تقاريرنا، صورنا أو أفلامنا.