الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

ما هي أبعد نقطة تود الوصول إليها؟
طلقات نارية في دارفور

عبد الرحمن إبراهيم
120 كيلومتراً | تطارد آدم ذكريات الطفولة، عندما حرقت ميلشيا من المتمردين قريته في دارفور وقتلت والده. نجى آدم مع عدد من أفراد قريته، ولكنه يحلم بالعودة إلى دياره.
رجل يأخذ مأوى تحت عربة يجرها حمار له في معسكر كلمة للنازحين داخليا، في جنوب دارفور، 9 مارس 2014. (الصورة: يوناميد |ألبرت قونزاليس فاران) (الصورة: UNAMID | Albert González Farran)
رجل يأخذ مأوى تحت عربة يجرها حمار له في معسكر كلمة للنازحين داخليا، في جنوب دارفور، 9 مارس 2014. (الصورة: يوناميد |ألبرت قونزاليس فاران) (الصورة: UNAMID | Albert González Farran)

> نقطة المغادرة: خور شمام، ولاية جنوب دارفور، السودان
> نقطة الوصول: نيالا ولاية جنوب دارفور، السودان
> المسافة: 120 كيلومتراً

يتذكر آدم، ذو 16 ربيعاً، حياته قبل وبعد الهجوم الذي شنته مليشية مسلحة على منطقته خور شمام، بمحلية كتيلا، في ولاية جنوب دارفور، سنة 2006.

”عندما اشتعلت الحرب في كل نواحي البلاد، كانت منطقتنا آمنة برغم الخوف والشائعات التي تطلق بين الفينة والأخرى بضربها،“ يقول آدم عن فترة الحرب في دارفور التي بدأت في 2003 عندما حمل المتمردون السلاح متهمين الحكومة بإهمال مناطقهم. غالباً ما وقع المدنيون ضحايا للاشتباكات المتكررة بين القوات السودانية والمتمردين. كانت عائلة آدم تملك الكثير من الماشية بمختلف أنواعها، وبدأ أبو آدم يرافق الماشية ليرعاها شخصياً، ويعود في نهاية اليوم لينام بالقرب من زريبة البهائم.

في ليلة من ليالي الخريف، سمع حامد صوت رصاص تجاهله الجميع، فحراس المنطقة عادة ما يطلقون الرصاص في الليل لإبعاد المجرمين عن القرية. بعد عشر دقائق، سُمعت أصوات أعيرة نارية ثقيلة من كل اتجاه، فاختلط الحابل بالنابل، ودب الرعب في قلوب الجميع.
”قامت أمي بجمعنا في مكان واحد، ومن ثم اتجهت صوب زريبة الماشية لتتفقد والدي“، يتذكر آدم، ”ولكن للأسف وجدته مقتولاً وملقى على سريره“.

سمع آدم صوت والدته تصرخ وتطلب النجدة. جرى آدم وإخوته صوبها، فوجدوها تحضن أباهم وتبكي بكاءً شديداً، لا تجد من يغيثها. كان عليهم الهرب، فالطلقات النارية كانت تتطاير فوق رؤوسهم. هكذا تركوا أباهم المقتول وراءهم.

لم يكن أمامهم سوى الفرار، وسط البكاء والصراخ، كل يحاول الفرار بجلده. يقول آدم إنهم ذهبوا إلى أطراف المنطقة، حيث شاهدوا النيران التي أضرمها المهاجمون في القرية تبتلع منازلهم. سقطت أم آدم تبكي على حسرتها، وارتمى أطفالها في حضنها، يبكون حتى بزوغ الشمس.

في الصباح الباكر، عادت الأسرة إلى القرية، ليجدها آدم رماداً: ”ذهب المهاجمون بعد نهب كل ممتلكات السكان، وحرق ما لم يتمكنوا من حمله.“ ساعد سكان المنطقة الأسرة في إجراء مراسيم الدفن لوالدهم، مع كل أولئك الذين لقوا حتفهم جراء الهجوم.

فضل آدم وأسرته البقاء في قريتهم على النزوح والعيش في كنف المنظمات وانتظار الإعانات، رغم معاناتهم من الجوع. ما أن بدأت الأسرة في الاعتياد على واقعهم الجديد، حتى شهدت قريتهم هجوماً ثانياً. ”الضربة الثانية جاءت بعد 20 يوماً من الأولى، وكانت أعنف من سابقتها،“ يقول آدم. في وضح النهار، هاجمت الميلشيا قرية آدم، وجعلت جميع سكانها نازحين.

اضطر آدم وأسرته إلى الذهاب إلى مدينة نيالا متخفين على متن عربة لوري. يتذكر آدم أن مبلغ تذكرة لشخص واحد كان 45 جنيهاً سودانياً (ما يقارب 8 دولارات أمريكية). كان أصحاب اللواري الذين يقومون بنقل المتضررين للمعسكرات وقتها لا يرحمون، حيث أن توصيل النازحين للمعسكرات أصبح تجارة مربحة لهم. آدم واحد من بين أكثر من 2,3 مليون نازح من دارفور يعانون في معسكرات اللجوء في منطقة دارفور نفسها وتشاد.

”جئت مع أسرتي المكونة من 13 فرداً. وصلنا المعسكر في ساعات متأخرة من الليلة السادسة بعد الهجوم الثاني على قريتنا. لم يكن بيدنا سوى الصبر وتحمل عناء الأيام المقبلة“. عند وصولهم، استقبلهم أفراد عائلتهم الذين وصلوا قبلهم، قدموا لهم الأكل، وانتظروا بزوغ الفجر. في الصباح، جاءهم فريق من إحدى المنظمات الإنسانية، قدموا لهم بعض المواد: قمحاً وسكراً وقطعاً من الصابون.

آدم الصبي الذي جاء إلى معسكر السلام وعمره 10 سنوات أصبح الآن رجلاً تبدو على وجهه علامات البلوغ. ويقول آدم إنه كان عليه العمل منذ وصوله المعسكر. بعد عمله في الشحن والتفريغ في السوق، توجه آدم للعمل الزراعي، حيث بدأ يعمل أجيراً في المزارع القريبة من المعسكر لتوفير بعض مستلزمات أسرته.

يذكر آدم أن المال الذي يكسبه يتراوح ما بين 20 و 30 جنيهاً يومياً (ما يقارب 3 إلى 5 دولارات أمريكية). في بعض الأحيان، يتلقى آدم مساعدة عمه الذي يعيش في الدمازين. يكرس آدم ثلاثة أيام في الأسبوع للعمل، والباقي للدراسة. كل ما يكسبه من مال في يومي الجمعة والسبت يعطيه لأفراد أسرته، أما مكسب يوم الثلاثاء فيخصصه لنفقاته الدراسية.

توقف آدم عن سرد قصته، مسح دموعه والحزن بادٍ على محياه: ”لم أتوقع في يوم من الأيام أن يكون علي تحمل كل هذه الأعباء في هذه السن المبكرة“. كل ما يرجاه آدم هو عودة الحياة لطبيعتها في دارفور، وأن يحل الأمن وتتوفر الخدمات، حتى ”أتمكن من العودة لدياري، ومواصلة دراستي، فأنا أتمنى أن أصبح مهندساً في المستقبل“.

هذا التقرير يقع ضمن ملف:
#أناس_في_حركة: الخبرة جسد متحرك
جميع مواضيعنا متوفرة لإعادة النشر. نرجو الاتصال بنا عبر عنوان بريدنا الالكتروني عند إعادة نشر تقاريرنا، صورنا أو أفلامنا.