الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

الذرة، القمح والقوار - مراحل تغير النمط الغذائي السوداني

ماهر أبو جوخ
تغير النمط الغذائي للسودانيين لعدة أسباب جعلت من القمح غذاء رئيسيا في معظم أنحاء السودان، مما يدفع السودان لاستيراد ما يوافق المليار دولار أمريكي منه.
17.07.2014  |  الخرطوم، السودان
.2014 ،خبز يباع في مخبز في الخرطوم، 10 يوليو.
.2014 ،خبز يباع في مخبز في الخرطوم، 10 يوليو. (الصورة: النيلان | ماهر إبو جوخ)

في مايو 1983، عادت الحرب الأهلية بين شمال وجنوب السودان للاندلاع مجدداً. تصادفت الحرب مع موجة من الجفاف والتصحر خلال الفترة من 1984-1985 التي كانت أعنف من الموجة الأولى التي تعرضت لها أجزاء من البلاد خلال الفترة من 1978-1979.

ترتب على هذين الحدثين حركة نزوح للمواطنين من المناطق المنكوبة تجاه المدن.

المعونة الأمريكية التي قدمتها واشنطون للسودان ضمن مساعدتها الإنسانية احتوت أنماط غذائية لم تكن معروفة سابقاً لدى السودانيين“
محمد عبد السيد

ودفع هذان الحدثان بعدد من الدول لتقديم المعونة للسودان، خصوصا الولايات المتحدة الأمريكية.

الشق الغذائي لهذه المعونة اشتمل على القمح، الذي لم يكن من قبل من أساسيات الغذاء في السودان، كما يفسر الصحفي محمد عبد السيد الذي عمل في وكالة السودان للأنباء الرسمية وعدد من الصحف السودانية والمراسل السابق لصحيفة (الشرق الأوسط) اللندنية بالخرطوم لـ ’النيلان‘.

”المعونة الأمريكية التي قدمتها واشنطون للسودان ضمن مساعدتها الإنسانية احتوت أنماط غذائية لم تكن معروفة سابقاً لدى السودانيين من بنيها دقيق الذرة الشامية الذي اشتهر وقتها باسم (عيش ريغان) – على اسم الرئيس الأمريكي وقتها دونلد ريغان- والمعلبات“.

بالإضافة إلى ذلك، ”تسببت الموجة الثانية [من الجفاف والتصحر] التي ضربت مناطق كردفان ودارفور في نزوح سكان المنطقتين صوب المدن“، يقول عبد السيد.

وجد أولئك النازحين القادمين للمدن سكانها يعيشون على نمط غذائي خلاف الذي اعتادوا عليه. ففي حين كان النمط الغذائي لأولئك القادمين في مناطقهم يعتمد على الذرة والدخن ولحوم والبان المواشي، كان سكان المدن يعتمدون على الخبز المصنوع من القمح بجانب الخضروات واللحوم التي يتم شرائها من المحلات.

وحاول بعض النازحين المحافظة على نمطهم الغذائي، القائم على الدخن والسمسم والويكة واللحوم كمصدر للبروتين الحيواني، دون تغيير. ولكنهم في نهاية المطاف اضطروا لتغيير غذائهم، كما يفسر الناشط في مجال التغيرات المناخية واثرها على البيئات الطبيعة والمناطق الزراعية والرعوية، أبو بكر محمد عبد الحليم، لعدة أسباب أولها أنهم كانوا يزرعون تلك المحاصيل في مناطقهم الأصلية. بعد نزوحهم إلى المدن، انخفضت زراعة تلك المحاصيل بصورة كبيرة.

السبب الثاني هو أن أن الجفاف والحرب أديا إلى انخفاض إنتاجية مكونات غذائهم الرئيسي، بالإضافة إلى استخدام الكميات البسيطة المنتجة منها كبديل للحصول على سلع أخرى. ”هذا دفعهم في خاتمة المطاف لتغيير نمطهم الغذائي بتناول الخبز والفول المصري مثال بالإضافة إلى الخضروات".

ويقر عبد السيد أن التطور يفرض على كل دول العالم استخدام الخبز مشيراً إلى أن هذا الأمر ترتب عليه تنامي وارتفاع استهلاك القمح محلياً.

وينوه عبد الحليم في تعليقه لـ’النيلان‘ لوجود تجارب سودانية لزارعة القمح بغرض الاكتفاء منه ذاتياً.

لكنه أشار لتراجع الإنتاج بسب عدة عوامل على رأسها الآفات وضعف مكافحتها لارتفاع التكلفة، معضلة الري، بسبب انخفاض معدل الأمطار وتغير مواقيت هطولها، انعدام التنسيق بين الجهات الحكومية والمزارعين، حيث يبدو أن الحكومة لم تتمكن من إقناع المستثمرين المحليين والأجانب بتوظيف نشاطهم الزراعي بشكل يدعم توجهاتها الاستراتيجية الرامية لتحقيق الاكتفاء الذاتي.

مع تجاوز حجم الاستيراد السنوي للقمح بما يعادل مبلغ المليار دولار أمريكي في ميزانية 2014، وفي ظل عدم وجود إرهاصات بإمكانية تحقيق السودان للاكتفاء الذاتي منه على المدى القريب، فإن عبد السيد يشير في حديثه لـ ’النيلان‘ لوجود تجارب سودانية سابقة هدفت لتقليل استخدام القمح في صناعة الخبز. 

هدفت تلك الأبحاث لاستخدام أنواع معينة من الذرة في خلطة إنتاج الخبز، بجانب تجربة أخرى بزراعة محصول القوار اقتداء بالتجربة الهندية التي قامت باستخدامه لتقليل استهلاكها للقمح، منوهاً لشروع السودان في تطبيق تلك التجربة. 

يقوم السودان بزراعة القوار* في عدد من المناطق كولايات الجزيرة وسنار بالاضافة الى المناطق التي تتراوح معدلات الأمطار فيها ما بين 250- 300 ملم. من بين أهم المشاكل التي واجهت زراعة القوار ارتفاع أسعار التقاوي الخاصة بانتاجه ووجودها في دول محدودة من بينها الهند، حيث يبلغ سعر الطن الواحد من تقاوي القوار 15 ألف دولار أمريكي.

عند حصاده آليا، وجد أن نسبة الفاقد فيه تصل إلى ما بين 20-25 في المئة، لأن المحصول في تكوين الحبوب من أسفل نقطة في الساق مع سطح التربة. لحل هذه المشكلة، قام باحتون سودانيون بإجراء تغيرات جينية للنبات ليلائم الحصاد الآلي بحيث يبدأ تكوين الحبوب بعد ارتفاع 30 سم عن سطح التربة.

وأعلن وزير الزراعة والري الاتحادي المهندس إبراهيم محمود أوائل شهر يوليو 2014 أن وزارته تسهدف في الموسم الزراعي الحالي زراعة 300 ألف فدان من القوار، باعتباره محصولا مهما، وأعلن التزام وزارته بتوفير التقاوي الخاصة به وضمان توصيلها للمزارعين.

  

القوار: محصول بقولي مثل اللوبيا والفاصوليا والعدس، ومن خصائصه انه يساعد على خصوبة التربة. معظم مناطق زراعته في العالم توجد في الأراضي شبه الصحراوية. يرجع تاريخ دخول القوار إلى السودان في عام 1960 بمحطة أبحات الجزيرة وصل قمته في أواخر ثمانينات القرن الماضي في بداية تسعينات ذات القرن. تتلخص الأهمية الاقتصادية للقوار في إنتاج الصمغ من بذرته واستخدامه في الصناعات الغذائية وصناعات البترول والنسيج والورق والمفرقعات والحبر واللدائن الصناعية والتبغ والأدوية ومستحضرات التجميل.