الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

تحويل الرصيد لتسييل الكتلة النقدية... حرب اقتصادية عبر الهاتف المحمول

ماهر أبو جوخ
أحمد اسماعيل، تاجر يعمل في مجال الاتصالات في الخرطوم، يقول ”أن الرصيد المحول من الجنوب شهد تدفق كميات كبيرة عقب استقلال الجنوب في التاسع من الشهر الماضي...الرصيد الذي يتم عرضه من قبل الجنوبيين يعتبر مضموناً وغير…
8.08.2011
 تحويل النقود من الجنوب الى الشمال عبر الهاتف هو الطريقة التي اختارها العديد من المواطنون لكسر الحصار على مختلف التعاملات بين الشمال و الجنوب.
تحويل النقود من الجنوب الى الشمال عبر الهاتف هو الطريقة التي اختارها العديد من المواطنون لكسر الحصار على مختلف التعاملات بين الشمال و الجنوب.

يستحق السودان كما جنوب السودان أن ينظر إليهما المجتمع الدولي بشيء من الإعجاب الممزوج بالذهول والحيرة، وذلك جراء نجاحهما في توظيف الهاتف المحمول ضمن الحرب الاقتصادية المندلعة بينهما وعلى رأسها حرب العملات، وذلك من خلال عملية شراء الرصيد وتحويل قيمته لأوراق بنكنوت، عملية تجارية شرعية لم تخطر على بال السلطات والشركات. رصيد جوال عابر للأجواء يتحول أرصدة مالية:عملية تحويل شرعي تستخدم فيها شبكات الهاتف المحمول تتيح للبعض تحصيل بعض حقوقه وللبعض الآخر تحقيق أرباح لا يستهان بها. فإليكم التفاصيل... 

خلال الأيام الماضية، أبرز عدد من الصحف وعلى صدر صفحاتها الأولى، خبرا نقلاعن شبكة 'الشروق' يشير لقرب صدور قرار يقضي بوقف عملية تحويل الرصيد بين جمهوريتي السودان والسودان الجنوبي عقب تزايد حجم العملات المالية المحولة من الجنوب للشمال، عبر استخدام خدمة تحويل الرصيد. وذكرت الشبكة "أن لجانا مختصة تدرس ذلك القرار بهدف وقف عمليات تحويل ملايين الجنيهات يقوم بها مواطنون جنوبيون، مخترقين بذلك الحلول الموضوعة من قبل الجانبين".

الظاهرة تقع ضمن حرب العملات
الناشبة بين الدولتين بعد قيامهما
بتبديل عملتهما

ونقلت 'الشروق' عن خبراء في الاقتصاد تحليلهم لتلك الظاهرة بأنها تقع ضمن حرب العملات الناشبة بين الدولتين بعد قيامهما بتبديل عملتهما، خاصة بعد اختلاف الخرطوم وجوبا على قيمة العملة المشتركة المتداولة حاليا بالجنوب، والتي تزيد عن 2 بليون جنيه، أي ما يزيد عن 700 مليون دولار أمريكي.

حرب اقتصادية صامتة

ولعل قرار وقف تحويل الرصيد بين الشطرين مرتبط بخبر سابق نشرته صحيفة 'التيار' أشارت فيه لوجود ظاهرة شهدتها أسواق أم درمان بتحويل رصيد من الجنوب بسعر فائدة يصل لـ25%، ونقلت تحذيرات لخبير اقتصادي من تلك الظاهرة على الاقتصاد السوداني ومطالبته للجهات الأمنية بالتدخل سريعاً لوقف هذه الممارسة وملاحقة تلك التحويلات المليونية.

عملية تحويل الرصيد إذا باتت مرتبطة بالحرب الاقتصادية المندلعة بين الشطرين خلال الفترة الماضية وأخرها حرب العملات.وما زاد من استعارها فشل المباحثات التي أجراها الشطران مؤخراً في أديس أبابا، سيما بعد اشتراط الخرطوم التوصل لحل شامل لكل لقضايا كالنفط، والعملة والديون، والاتفاق على فترة انتقالية كشرط لتسوية ملف القضايا الاقتصادية العالقة. وأظهرت خلاصة تلك المفاوضات أن الطرفين مختلفان على كيفية تعويض قيمة العملة الموجودة بالجنوب، ورسوم عبور النفط ومدة الفترة الانتقالية الاقتصادية بين الشطرين. 

خارج غرف التفاوض يبدو أن
هناك سباقا مع الزمن لتحقيق
أهداف مزدوجة - زيادة المنافع
وتقليل الخسائر-

خارج غرف التفاوض يبدو أن هناك سباقا مع الزمن لتحقيق أهداف مزدوجة - زيادة المنافع وتقليل الخسائر- سيما أن التحليلات العامة كانت تشير بجلاء لوجود ترابط بين ارتفاع أسعار العملات الحرة خاصة الدولار واليورو والذهب في الشمال من جهة، وتبديل الجنيه المشترك بالدولار في الجنوب من جهة ثانية، حيث اعتبرت تلك التطورات ضمن الحرب الاقتصادية التي يخوضها الطرفان.

إختلفت الفرضيات حول مصدر تلك الظواهر فالبعض اعتبر أن الجهات الرسمية في الشطرين تقفان وراءها، من خلال عمليات مخابراتية ذات طابع اقتصادي، باعتبار أن المواجهة الاقتصادية بينهما باتت مرتبطة بالأمن القومي، فيما يربط تحليل ثان تلك الظواهر من منطلق حراك السوق بافتراض أنها تعبير عن محاولات ذات طابع فردي للبحث عن أية وسيلة تؤدي لتقليل الخسائر التي قد يتعرض لها بسبب اندلاع تلك الحرب الاقتصادية بين الطرفين.

أما التحليل الثالث فيمازج بين الافتراضين، بالنظر لتلك الظواهر باعتبارها قد انتجت وابتكرت من قبل الافراد، ولكنها لاحقا تم توظيفها واستعمالها بشكل أوسع من قبل مخابرات الشطرين ضمن حرب الاقتصاد.

عثمان شنقر : دولة جديدة... عملتان جديدتان!

تسييل الرصيد وآلياته

دعونا نحاول شرح آليات عملية تحويل الرصيد، ولنطلق عليها مجازا مصطلح تسييل الرصيد، وهي تمر بثلاث مراحل أساسية، أولها تحويل السيولة لرصيد ثانيها تحويل الرصيد لسيولة بقيمة أقل، وهو ما يعرف وسط المتعاملين في السوق بـ"الكسر" وهو بيع السلعة بأقل من قيمتها، بغرض إغراء المشتري لشرائها لتوفير قيمتها نقداً، ثم المرحلة الثالثة بإعادة الأموال لمركزها الأصلي.

تتم العملية بقيام شخص في الجنوب بشراء رصيد من شركات الهاتف النقال العاملة بقيمة معينة، قيل أنها تتراوح بين الألف والعشرين ألف جنيه سوداني، وتحويلها لأحد المتعاملين معه في الخرطوم أو أي من المدن السودانية، ويقوم المتعامل بدوره ببيع ذلك الرصيد لأحد التجار، بهامش ربح يتراوح ما بين 10-15% وقد يصل في بعض الأحيان لـ25%، حيث يشتري ذلك التاجر الرصيد الذي قيمته ألف جنيه بمبلغ يتراوح ما بين 900-750 جنيها.

تعتبر المرحلة الثالثة بإعادة تلك الأموال لمركزها الأصلي هي الحلقة المفقودة وغير الواضحة، وتقوم هنا على عدة افتراضات أولها انتهاء دورة الاموال ودخولها ضمن دائرة الاقتصاد السوداني باستخدامها من قبل المستفيد في تصريف شؤونه الحياتية في شراء السلع أو الخدمات.

أما الافتراض الثاني فيقوم على اعتبار أن الدافع الرئيسي لعملية تسييل الرصيد، هو التخلص من العملة المشتركة وفي تلك الحالة فإن قيمة الرصيد المحول، بعد بيعه بالسودان، سيتم تحويلها إما لعملة حرة أو معادن نفيسة كالذهب، أو سلع أخرى يتم تصديرها، في الخيار الأول العملة الحرة، يتم تحويلها عبر التحويلات المصرفية لدولة ثانية ومنها للجنوب، أما في حالة الخيار الثاني فمن الوارد إخراجها في شكل حلى ومشغولات ذهبية، مع إمكانية شراء سلع وتصديرها لدولة ثانية ومن ثم استعادة قيمتها.

إذا كان الأمر يدار كصراع
مخابراتي بين الشطرين، فإن الخيار سيكون هو الأكثر ضررا
باقتصاد الطرف الآخر.

من المهم الإشارة هنا لنقطة مهمة ترتبط بالمرحلة الثالثة، وهي الجهة النهائية صاحبة المبلغ، فإذا كانوا مجرد أفراد فقد يلجأون لأي خيار من تلك الخيارات، أما إذا كان الأمر يدار كصراع مخابراتي بين الشطرين، فإن الخيار سيكون هو الأكثر ضررا باقتصاد الطرف الآخر، ولعل هذا الأمر يجعل الخيار الأغلب والمفضل هو شراء العملة الحرة من الأسواق الموازية، لزيادة أسعارها وخلق اضطراب وإرباك اقتصادي للطرف الثاني.

"تلتو ولا كتلتو

مع استمرار قرار وقف التجارة المشتركة بين الشطرين، يعتبر تحويل الرصيد الوسيلة الأقل خطورة لإدخال الكتلة النقدية من العملة المشتركة المتداولة بالجنوب. صحيح أنها تحتوي على قدر من الخسارة، في بعض الأحيان يمكن استرداد 75% من قيمة الرصيد، ما يحقق للتاجر هامش ربح يبلغ 25%، وربما تفقد هذه العملية ما يقارب الـ40% من قيمتها في حال تحويل المبلغ عبر البنوك الخارجية

عند النظر للنصف الثاني من الكوب نجد أن تلك الخسارة تعتبر الأقل مقارنة، إذا كانت تتم  من الجنوب بالعملة المشتركة، التي يرفض السودان استلامها أو تعويض الجنوب عن قيمتها، وتزايد احتمال فقدان قيمتها في حال إكمال الخرطوم لخطوات تبديل عملتها، وربما اهتدى منفذو تلك العملية بالحكمة السودانية التي تقول "المال تلتو ولا كتلتو" أي الحصول على ثلث المال خير من فقدانه كله.

الظاهرة لم تكن مقتصرة على
مدينة محددة وانما تكررت في عدد
كبير من المدن السودانية.

تزامن مع الاستفتاء وتزايد بعد الانفصال

ربما التساؤل الرئيسي المطروح هو الفترة الزمنية التي شهدت فعلياً إنطلاقة تسييل الرصيد من الجنوب للشمال، ولم نجد جهة يمكنها إعطاءنا إجابة وافية لهذا الأمر. 

لكن أحد المتابعين لحركة سوق أرصدةالذي طلب حجب اسمه - أوضح لنا بأنه لاحظ تلك الظاهرة قبل ثمانية أشهر، حيث يباع الرصيد القادم من الجنوب بسعر أقل من 40 جنيها من الذي تقدمه شركات الاتصالات، وهو ما جعله يعتبر هذا الأمر غير منطقي أو ممكن، ويضيف أن تلك الظاهرة لم تكن مقتصرة على مدينة محددة وانما تكررت في عدد كبير من المدن السودانية.

النقطة اللافتة في إفادة ذلك المتابع مرتبطة بالتاريخ الذي حدده، فتلك الفترة الزمنية التي اشار إليها قبل 8 أشهر، تتزامن مع قرب إنطلاقة استفتاء جنوب السودان، وارتفاع أسعار العملات الأجنبية في السوق الموازي والذهب، بسبب إقبال أعداد كبيرة من الجنوبيين المغادرين للشمال على شرائهما

ويقول أحد العاملين في مجال الاتصالات وخدمات تحويل الرصيد بالجنوب، طلب حجب اسمه، أن عمليات تحويل الرصيد في أسواق الجنوب شهدت زيادة في معدلاتها عقب إعلان استقلال الجنوب بنسبة تتراوح ما بين 50-70% ولكنه عزا هذا الأمر لكونها باتت الوسيلة الوحيدة التي تربط بين الشطرين، حيث يستخدمها عدد كبير من الموجودين هناك في تحويل الأموال لذويهم الموجودين في السودان.

"لو عرض علي الجنوبي رصيد
بقيمة مائة مليون،سأقوم بشرائه
دون خوف فهو مضمون".
أحمد اسماعيل

رصيد مضمون

أحمد اسماعيل، تاجر يعمل في مجال الاتصالات والرصيد في السوق العربي وسط الخرطوم، يؤكد ما ذكر سابقاً إذ يقول ان "الرصيد المحول من الجنوب شهد تدفق كميات كبيرة عقب استقلال الجنوب في التاسع من الشهر الماضي"، موضحا أن "الرصيد الذي يتم عرضه من قبل الجنوبيين مهما كانت قيمته يعتبر مضمونا وغير مثير للمخاوف أو الشكوك من كونه مسروق". وأضاف "لو عرض علي الجنوبي رصيد بقيمة مائة مليون، سأقوم بشرائه دون خوف فهو مضمون، أما إذا عرض علي شمالي رصيدا بعشر المبلغ فسأتردد وربما أرفض لأنني أخشى من أن يكون رصيد مسروق".

 ويشير اسماعيل لنقطة ثانية تشجعه على شراء الرصيد من الجنوبيين وهو "عدم ممانعتهم أو تشددهم في قيمة الرصيد" مبيناً "أن هامش الربح لشراء الرصيد لديه سقفا معينا لا يتجاوز الـ15% ". إلا أنه استدرك حينما أشار لتلقيه أنباء تفيد بوصول ذلك الهامش لـ20% في بعض الأسواق الطرفية بولاية الخرطوم.

قرار التوقيف تقنيا ممكن ومتاح

السؤال المطروح حاليا هو مدى إمكانية اتخاذ شركات الاتصالات قرارا بوقف عملية تحويل الرصيد بين الشطرين، وكيفية تحديدها لنطاق الهواتف الموجودة سواء كانت بالشمال أو الجنوب، والفترة الزمنية التي تحتاجها لدخوله حيز التنفيذ.

طرحنا هذا التساؤل على مصدر في إحدى شركات الاتصالات العاملة، والذي وافق على الإجابة شريطة عدم ذكر اسمه لعدم الاختصاص، حيث أكد على مقدرة الشركات على تحديد المكان الجغرافي الذي يوجد فيه الهاتف، من خلال البرج الذي يتلقى عليه الرصيد، وطبقا لذلك فمن السهولة تحديد مكان البرج سواء كان في السودان أو جنوب السودان.

وفي ما يتصل بالاجراءات الفنية التي ستلجأ لها شركات الاتصالات، أوضح المصدر أنها ستقوم بإغلاق القنوات الخاصة بأبراجها الموجودة في الجنوب، مشيرا في ذات الوقت أن تلك التقنية متاحة لتلك الشركات ولن تستعصي عليها حسب قوله.

في المصلحة الوطنية ضرر بالمواطنين

يبدو أن متخذي قرار وقف تحويل الرصيد بين الشطرين، يتحركون من دوافع المصلحة الوطنية والاقتصادية للسودان، باعتبار أن الشطرين يخوضان منازلة اقتصادية شرسة بينهما، أبرزها تلك الدائرة على جبهة العملات، ولذلك فإنهم يعتبرون هذا الاجراء ضروريا لمنع مساعي جوبا، سواء كانت رسمية أو شعبية للافلات من هذا الطوق.

"من المؤكد ستتعرض شركات
الاتصالات لخسائر مؤكدة".

لكن على الضفة الأخرى فإن آخرين ينظرون لهذا القرار من زاوية أخرى، حيث يشير مصدر في إحدى شركات الاتصالات أن قيامها بإغلاق قنواتها الخاصة بأبراج الجنوب ستتسبب لها "بخسائر في مبيعاتها والثقة فيها". وأردف: "من المؤكد ستتعرض شركات الاتصالات لخسائر مؤكدة".

ويحذر مصدر عامل في مجال الاتصالات وخدمات تحويل الرصيد في الجنوب من "أن تنفيذ هذا القرار سيوقع ضرراً كبيراً على المتعاملين عموماً والشماليين الموجودين في الجنوب على وجه الخصوص، الذين يعتمدون على تحويل الرصيد بإرسال المصاريف لذويهم الموجودين بالشمال، خاصة لأولئك الموجودين في مناطق نائية تنعدم فيها الخدمات البنكية" وأضاف: "قد يوجد لدى البعض وسائل أخرى كأناس يمكنهم تسليم المبالغ لذويهم في أماكن وجودهم لكن هذا الأمر ليس متاحا للجميع".

أما التاجر أحمد إسماعيل العامل في مجال الاتصالات وتحويل الرصيد بالسوق العربي فبدا أكثر قلقا من التبعات المرتبطة بهذه الخطوة حينما اعتبر "أن تنفيذها سيؤدي لوقف حركة السوق" مشيرا إلى "إمكانية اتخاذهم بعدها لقرار بإغلاق محلاتهم ولذلك فقد طالب بمعالجة الأمر دون تطبيق هذا القرار" وأردف: "أما إذا اصروا على تنفيذ هذا القرار سيكونون قد أوقفوا قلب أعداد كبيرة من العاملين" ثم صمت برهة ورد قبل إنهاء المكاملة بعبارة جسدت حالة القلق والخوف من المجهول التي تعتريه حينما قال: "على العموم ربنا غالب".

بانتظار صدور قرار تستمر عمليات تسييل الأرصدة لتسييل الكتلة النقدية من العملة السابقة المتبقية في الجنوب، بعدما لم تتفق جوبا والخرطوم على آلية لمعالجتها. المواطنون السودانيون ابتدعوا حلولا لأزماتهم النقدية والاقتصادية، إلا أن للحكومة والشركات رأيها وكلمتها في هذا الشأن، وما قصة تحويل