الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

من يدير سوق الدولار في السودان؟

نصر الدين الطيب
يتحكّم السوق الموازي في السودان باقتصاد البلاد، حسب من يعمل فيه وكذلك حسب المراقبين والمختصين في مجال الاقتصاد السوداني.
20.07.2016  |  الخرطوم، السودان
الجنيه السوداني في السوق العربي، الخرطوم، السودان، ثالث يوليو\تموز ٢٠١٦. (الصورة: النيلان | نصر الدين الطيب)
الجنيه السوداني في السوق العربي، الخرطوم، السودان، ثالث يوليو\تموز ٢٠١٦. (الصورة: النيلان | نصر الدين الطيب)

في ممرات بين بنايات رئيسية وسط العاصمة السودانية، يتوزع 'سماسرة' العملات الأجنبية وينادون على المارّة "صرف..صرف"، قبل أن يقود هؤلاء الوسطاء زبائنهم في حذرٍ إلى مكاتب في البنايات المجاورة لتكملة عملية صرف العملات الصعبة.

يزدحم مكتب كائن في بناية قديمة بمنطقة السوق العربي التجارية بزبائن معظمهم من الراغبين في شراء عملات أجنبية بغرض السفر للعلاج، بعد أن أغلقت البنوك والصرافات رسميا أبوابها أمام مثل هذه الطلبات.

ورغم حالة الحذر التي يتخذها الوسطاء وإيهام الزبائن بأن العملية تشوبها مخاطر أمنية كبيرة، إلاَّ أنّ هذا الاحساس ينتفي بدخولك الى رُدهات هذه المكاتب التي يتجوَّل فيها موظفين بأكياس "جوالات" ممتلئة على آخرها بتشكيلات مختلفة من العملات المحلية والأجنبية. ويدير هؤلاء الموظفون مكالمات لا تنقطع وبأرقام حسابية كبيرة، عن صفقات بيع وشراء بالدولار واليورو والدرهم الاماراتي والريال السعودي.

اختلال يضرب المفاصل

المؤكد أنَّ رساميل ضخمة تتحرك في هذه التجارة التي عرفها السودان في وقت قريب وبدأت في التوسع بعد إختلالات ضربتْ مفاصل الاقتصاد السوداني، وفق ما يرى محللون اقتصاديون. 

"في بداية التسعينيات أقدم نظام الحكم الحالي على إعدام ثلاثة أشخاص وجد بحوزتهم عملات أجنبية مع بدايات ظهور هذه التجارة، ظاناً بان الاجراء سيكبح هذه التجارة في مهدها" يقول خبير الاقتصاد، التجاني الطيب لـ’النيلان’. 

لكن هذا السوق الخفيِّ والمُربح أغرى الكثيرين لدخوله عندما بدأ يظهر خلل في ميزان المدفوعات وندرة المتوفر رسمياً من الدولار لتدوير العملية الاستيرادية للبلاد، حسب تفسير الطيب. 

نعم هناك مؤسسات مصرفية رسمية.. لكن ماذا تفعل؟ لا شيء. نحن الأكثر تأثيراً على اقتصاد البلاد.“ 
منذر فتح الرحمن

مع دخول عائدات النفط في بدايات العام منذ العام ٢٠٠٠ الى ٢٠٠٥، توفرت العملات الأجنبية وأصبحت هذه الايرادات كافية لتمويل استيرادات البلاد، واختفت تجارة سوق الدولار نسبياً. لكن هذه التجارة تحركت بنشاط بعد انفصال دولة جنوب السودان، ليشهد سعر الدولار من بعد قفزات كبيرة بدأت من ٢.٥ في العام ٢٠٠٧ الى ان وصل الآن حدود ١٤ جنيه سوداني للدولار الواحد.

المتعامل في تجارة العملات الأجنبية، منذر فتح الرحمن، يدير أعماله برأس مال متواضع مع رفقاء له من محل بيع اكسسوارت الهواتف النَّقالة جنوب الخرطوم. لم يتوان فتح الرحمن في أن يصف تجار العملات بـ "ركيزة اقتصاد البلاد نظرا للسيولة التي بحوزتهم وقدرتهم على تغطية احتياجات الاستيردات في كافة القطاعات".

ويقول فتح الرحمن لـ 'النيلان': "نعم هناك مؤسسات مصرفية رسمية.. لكن ماذا تفعل؟ لا شيء. نحن الأكثر تأثيراً على اقتصاد البلاد والأكثر استعداداً لتغطية مطلوبات السوق بشكلٍ سريع."

سوق الحكومة الخفيّ

التأثير الكبير لهذه المجموعة على حركة المال في السوق السودانية والرساميل الضخمة التي تتحرك في تجارة العملات الاجنبية، يفتح أسئلة من شاكلة: من يدير هذا العمل؟ ولمصلحة من؟ وما نوع الأموال التي تتحرك في هذه التجارة؟

إجابات الاقتصاديين شبه متطابقة وتقول إنه أينما تحركت أموال ضخمة كانت هناك حماية ادارية ما توفرها السلطات الرسمية.

السوق الموازي هو سوق خفيِّ لكن الواضح أن هناك رأسمال ضخم تمَّ توظيفه لجهة العائد الكبير والسريع.“ 
التيجاني الطيب

يقول الخبير الاقتصادي، التيجاني الطيب إن "السوق الموازي هو سوق خفيِّ لكن الواضح أن هناك رأسمال ضخم تمَّ توظيفه لجهة العائد الكبير والسريع، إضافة الى أنَّ السوق معروف عنه الخفاء فأيضاً هو يستوعب أموال المخدرات وغسيل الأموال وتجارة البشر التي نشطت مؤخرا في البلاد". 

الحكومة تشتري وتبيع في السوق 'الأسود' ضمن سياسة تجنيب الأموال التي تنتهجها مؤسسات عديدة، وهذه المؤسسات موجودة في السوق الموازي بنسبة٤٠ في المئة، يحدد الطيب. 

وهذه التعاملات شبه الرسمية بين جهات حكومية وتجار العملة عضدت من تأثير تجار النقد الأجنبي في العملية الاقتصادية بالبلاد وأكسبتهم شرعية تضاف اليها وفرة العملات في خزائن هولاء التجار والتي تغطي حاجة السوق.

عدد من المتعاملين في سوق العملات يرون بوضوح أنَّ الدولة تحمى بنفسها السوق الأسود وتتواجد فيه برأسمال كبير. يقول الطيب العبيد - اسم مستعار لتاجر عملة وسط الخرطوم: "حتى الحملات الأمنية التي يقوم بها جهاز الأمن ضد تجار العملة ظنا منه انه يخربون الاقتصاد هي بالكاد للتغطية والتمويه. أذرع من الأمن الاقتصادي نفسه تدير هذا السوق."

ويتفق فتح الرحمن مع العبيد حيث يفسر أن "العمليات التي تقوم بها سلطات الأمن في الغالب تكون في حالة فقدان الحكومة للسيطرة على بعض تجار، أو بسبب حركة غير عادية للدولار في السوق بسبب ضخ كميات مجهولة المصدر، ليتم  القبض على تجار تحت دعاوى زعزعة الأمن الاقتصادي. لكن كل تجار العملة المؤثرين معروفون لدى السلطات الحكومية ويأتمرون بأوامرها إلا القليل".

نفذت هذه المجموعات عبر ثغرات اقتصادية حكومية وبدأوا في التحكم في اقتصاد البلاد.“
سمير أحمد قاسم

"السوق الموازي يتحكم في مجمل العملية الاقتصادية في البلاد"، حسب عضو اتحاد اصحاب العمل، سمير أحمد قاسم، الذي يرى أن تجار العملة تحولوا الى كتلة اقتصادية مؤثرة في ظل أوضاع غير طبيعية، ويضيف لـ ’النيلان’: "نفذت هذه المجموعات عبر ثغرات اقتصادية حكومية وبدأوا في التحكم في اقتصاد البلاد".

نفوذ هذه الكتلة، تدعمه مجموعات اقتصادية تنفيذية بشكل أو بآخر، وربما وجدت نفسها مضطرة للتعامل مع السوق 'السوداء' لتغطية نفقات حكومية لا حيلة لاحتياطات النقد الاجنبي في بنك السودان المركزي بتوفيرها، حسب قاسم.

اشتري اليوم قبل الغد

في السوق الشعبي جنوب الخرطوم، يحاول الصبي الذى يقف قرب محل لبيع التوابل - منتجة محليا - إقناع مشتري بأن يدفع السعر الذي يطلبه مقابل رطلين من الكركدي، لأن هذا السعر مع زيادة الدولار قد لا يجده غدا.  

"الارتباك هو أقلَّ ما يمكن أن نصف به أوضاع النقد الأجنبي في البلاد"، يقول قاسم، ويضيف: "هذا الارتباك له تاثير مباشر على زيادة الأسعار في السودان وبالتالي التضخم لجهة ان من يتحكم في العملات الاجنبية التي تعتمد عليها واردات السودان هم تجار يقدمون مصلحتهم فوق كل الاعتبارات".

الآثار الكارثية لتقلبات سعر الدولار في السوق الموازية 'السوداء' وعدم انصياع هذه السوق لأيِّ قوانين إلاَّ قانون السوق نفسه، يعيشها المواطن السوداني في تفاصيل حياته اليوم حيث يواجه يومياً زيادات في أسعار الضروريات مثل الغذاء وبقية المستلزمات.

جميع مواضيعنا متوفرة لإعادة النشر. نرجو الاتصال بنا عبر عنوان بريدنا الالكتروني عند إعادة نشر تقاريرنا، صورنا أو أفلامنا.