الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

الماء في دارفور - تشاركية المورد من أجل مغادرة مرحلة الطوارئ!

محمد هلالي
الجنينة - يعني مواطنو دارفور من قلة المياه، الشيء الذي دفع بعدد من المنظمات إلى العمل من أجل توفيره للمواطنين في المعسكرات وخارجها.
4.03.2013
إمرأة في معسكر كريندينق 1، تحمل طفلها وتعمل على المضخ من أجل الحصول على بعض الماء، 22 يناير.
إمرأة في معسكر كريندينق 1، تحمل طفلها وتعمل على المضخ من أجل الحصول على بعض الماء، 22 يناير.

الماء أهم إحتياج إنساني في الوجود على مر عصور البشرية وتاريخها وحضاراتها، ظلّ على الدوام مرتبطاً بوجود حضارات الإنسانية جمعاء. وقاد في ذات الوقت لمشاكل عصيبة، وما يزال، في مناطق مختلفة من العالم. في دارفور يمثل الماء واحد من أهم الاحتياجات في حياة الإنسان على كافة المستويات المعيشية والاقتصادية، بل وجميع أوجه الحياة الإنسانية.

كما ان لتوفر المياه في دارفور بعد اجتماعي آخر، هو الحوجة المشتركة للمجتمعات الزراعية والرعوية على حدٍ سواء، ولذلك أصبح الارتباط بمصادره، والمناطق المحيطة بتلك المصادر مكان للحياة المشتركة بين كافة مكونات المجتمع.

وحتى أوقات قريبة كاد الماء، هبة الله للناس، أن يتحول لنقمة بدلاً عن كونه نعمة، لا سيما عقب فترات الجفاف التي ضربت بعض أجزاء الإقليم في أوقات سابقة جراء التغيرات المناخية. وفي هذا الإطار، وعلى أساسه، تعمل العديد من المنظمات بجانب جهات حكومية عديدة على توفير المياه في الإقليم، مع استصحاب خصوصية تلك المجتمعات، والصراع الذي يشهده هذا الجزء من البلاد.

كنت أقطع ”عدة كيلومترات في السابق للوصول إلى الماء“
دهباية زكريا
وفي ولاية غرب دارفور تعد منظمة الإغاثة الإسلامية واحدة من تلك المنظمات العاملة في مجال توفير المياه في معظم أنحاء الولاية، في محليات الجنينة وكريندينق وغيرها، بجانب معسكرات النازحين الواقعة شرق الجنينة، وهي معسكرات كريندينق 1 وكريندينق 2 وسيدا.

ويقول رئيس قسم المياه في هذه المنظمة، راشد جماع، أن المنظمة عملت في توفير الآبار والحفائر والمضخات اليدوية لآلاف المواطنين في المعسكرات وفي محليات الجنينة وكريندينق وغيرها.

ويؤكد راشد في حديثه للنيلان على أنهم "أعدوا حوالي ثلاثمائة مضخة يدوية خلال السنوات الماضية في كل تلك المناطق".  

كما تم إنشاء مضخات تعمل بالطاقة الشمسية في بعض المناطق لمساعدة السكان في الحصول بسهولة على المياه، "وتحديداً النساء اللائي يعانين من صعوبة استخراج المياه بالطرق اليدوية عبر المضخات العادية".

ويمضي راشد في حديثه مشيراً إلى أن المنظمة تبذل جهوداً كبيرة لخلق حالة من الاعتماد على الذات وسط المجتمعات، في مسعاهم للحصول علي المياه عن طريق "تدريبهم على صيانة المضخات"، إلى جانب "تشكيل اللجان المشتركة في كيفية الحصول على الماء من الآبار المشتركة بين النازحين والمجتمعات المضيفة للمعسكرات كذلك بين الرعاة والمزارعين في المناطق الريفية والخلوية" وهذا في محلية كريندينق، ومناطق مكشاشة وأم تجوك وتاندوسا وغيرها.


صهريج للمياه وماكينة تعمل بالطاقة الشمسية بالقرب من معسكر كيندينق 1، 22 يناير.
© النيلان | محمد هلالي

وفي هذا السياق، يُضيف مدير مكتب المنظمة في غرب دارفور، النيجري الجنسية، ابرهيما شالاري، أن "تجربة تشكيل اللجان المشتركة لإدارة مصادر المياه وتوزيعها وصيانتها تأتي في إطار خطة انتقال المنظمات من مرحلة الإغاثة إلى مرحلة إعادة البناء والتنمية لتحقيق أقصى درجات السلام الإجتماعي بين المجتمعات المختلفة."

ويؤكد شالاري في حديث مع النيلان أن "تجربة اللجان المشتركة لتنظيم الحصول على الخدمات نجحت في تقريب وجهات النظر بين النازحين والمُضيفين“، وهؤلاء هم سكان المناطق القريبة من المعسكرات مثل العامرية وأم دوين في شرق الجنينة، وهي ما تُعرف بـ(المجتمعات المضيفة).

وعلى ذات النسق يشير شالاري إلى أنهم أيضاً عملوا على تشكيل لجنة المصالحات القبلية بين كافة المكونات "لتفادي أي نزاعات يمكن أن تخلقها هذه الخدمات نفسها والشعور بالتنافس في بعض الاحيان للحصول عليها"، موضحاً أن هذه التجربة ساهمت في تقليل التوترات بين الرعاة والمزارعين في المناطق الريفية والخلوية المحيطة بها، "وكانت سبباً مباشراً في عدم حدوث أي خلافات بين الرعاة والمزاعين في العام المنصرم 2012."

المواطنة دهباية زكريا، التي تقطن منظقة العامرية بجانب معسكر كريندينق تقول إنها كانت تقطع ”عدة كيلومترات في السابق للوصول الي الماء"، ومن ثم تنقله عبر الدواب للمنزل هي والمئات من مثيلاتها من النساء، ولكن الآبار التي تم حفرها على جانبي المعسكر والمنطقة المحيطة به ساهمت في تقليل تلك  المعاناة.

مواطن آخر يقول أن "الفائدة التي عمت من هذه الآبار والمضخات لم تشمل فقط النازحين والمناطق المجاورة بل تعدتهم ليستفيد منها كافة الرحل العابرين."

يجب ”تدريب المزيد من الشباب في المعسكر وخارجه على كيفية صيانة المضخات“
إحدى النازحات في معسكر كريندينق
وذلك بينما طالبت إحدى النازحات في معسكر كريندينق المنظمات بالعمل على حفر المزيد من "الآبار والصهاريج"، وإضافة لذلك "تدريب المزيد من الشباب في المعسكر وخارجه على كيفية صيانة المضخات"، وذلك لضمان استمرارية تدفق المياه دون الحوجة المتكررة لدعم المنظمة.

ومن جانبه أعتبر رئيس شيوخ معسكر كريندينق، أبكر آدم، إن ”تجربة اللجان المشتركة أوجدت مفهوماً جديداً للشراكة حول مصادر المياه وغيرها من الخدمات على قاعدة الاحتياجات والمصالح المشتركة للجميع"، مطالباً بتعميمها على كافة مناطق التعايش المشترك لتمتين النسيج الاجتماعي ودعم الانصهار بين كافة مكونات المجتمع في الإقليم.

وفي ذات الوجهة يذهب يعقوب ادريس، وهو شيخ منطقة العامرية الواقعة بالقرب من معسكر كريندينق، مبيناً أنها ساهمت بشكل إيجابي في تخفيف بعض التوترات التي تنجم عن تزاحم المواطنين، "وأكثرهم نساء وأطفال" للحصول على المياه، مشدداً على أن الوصول للاستقرار الكامل في المعسكرات وحولها "يحتاج لتوفير المزيد من مصادر المياه في مناطق الولاية المختلفة".

”تجربة اللجان المشتركة أوجدت مفهوماً جديداً للشراكة  حول مصادر المياه وغيرها من الخدمات على  قاعدة  الاحتياجات والمصالح المشتركة للجميع“
أبكر آدم
عدد من المراقبين يمضون للتأكيد بان هذه التجربة إن عممت ستسهم في خلق المزيد من الاستقرار في كافة أنحاء الإقليم وليس فقط في ولاية غرب دارفور، وذلك في وقت بدأ فيه المانحين فعلياً في الاحجام عن بعض التزاماتهم التي تتعلق بتقديم المساعدات الإنسانية في دارفور نسبة لاستطالة فترة الطوارئ، وقد شارفت على التسعة سنوات حالياً، ويريدون بالتالي الانتقال لمرحلة التأهيل والتنمية في الإقليم، وهو ما يساعد في الانسحاب التدريجي للمنظمات من الإقليم، بالتزامن مع تحقيق الاكتفاء الكامل في كل الاحتياجات الإنسانية.

هذا مع الأخذ في الإعتبار أن البعض يجدون أن تجربة اللجان المشركة تعد آلية قديمة متجددة تعمل على تحقيق الاستقرار في الإقليم، ويقصدون هنا أنها تشبه إلى حد كبير (الإدارات الأهلية)، وهي تنبع في الأصل من داخل المجتمع الدارفوري نفسه، لتحقيق المصالحات وكافة أوجه التعايش المشترك بين  كافة مكونات الاقليم، وقد ساهمت في السابق على تماسكه بشكل كبير، وأصبح مؤملاً فيها الآن، أيضاً بشكل كبير.