الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

تحليل | بدون هذا النفط - خيارات جنوب السودان والبدائل الاقتصادية بعد إغلاق أنابيب البترول

أتيم سايمون مبيور
جوبا - إغلاق أنابيب البترول في جنوب السودان أدى إلى معاناة الشعب جنوب السوداني من ارتفاع الأسعار وقلة العملات الصعبة. فهل كانت هناك أي خطط بديلة للنفط كان يمكن للحكومة اتخاذها للحد من معاناة المواطن؟
22.01.2013
أنبوب للنفط في ولاية الوحدة، جنوب السودان 11 يونيو 2012.
أنبوب للنفط في ولاية الوحدة، جنوب السودان 11 يونيو 2012.

كان هذا مجرد سؤال لمواطن منزعج اتصل هاتفيا ببرنامج ’استيقظي جوبا‘ تبثه محطة راديو بخيتة الخاصة صائحا: ’هل سنتمكن حقا من ادارة اقتصادنا لثلاث سنوات بدون هذا النفط؟‘

لم تكن الإجابة منظورة في الأفق القريب لان الدولة التي استقلت حديثا كانت تراهن على استئثارها بحقول النفط الغنية لبناء اقتصاد يوفر الخدمات الأساسية لمواطنيها الذين لا يتجاوز عددهم في كثير من التقديرات الـ15 مليون نسمة يعمل الغالبية العظمى منهم بالزراعة. 

وتبلغ مساحة البلد الجديد نحو 600 ألف كيلومتر مربع منها نحو مليوني هكتار صالح للزراعة، وتشغل الغابات نحو 29 في المئة  من المساحة الكلية، وتقدر الثروة الحيوانية بنحو ثمانية ملايين رأس. مع كل هذا، تبلغ نسبة الفقر بين العاملين في قطاع الزراعة 90 في المئة.

جميع تلك الإمكانات لم يتم استغلالها على النحو الأمثل بعد الاستقلال حيث لم تظهر في خارطة البرامج التنفيذية للحكومة أي خطة محكمة للاستفادة من الموارد المهولة. 

فقط كانت الإنظار تتجه نحو النفط الذي أحكمت دولة السودان السيطرة عليه وذلك عندما قامت ببناء المصفي الأساسي في الخرطوم ومدت خطوط الأنابيب بشكل مباشر نحو ميناء التصدير في بورتسودان.

لكن الفشل في التوصل إلى صيغة اتفاق حول رسوم استخدام تلك المنشآت إلى جانب اتهامات جوبا المتكررة للخرطوم بسرقة نفط الجنوب قاد السلطات في جنوب السودان إلى اتخاذ قرار مباغت للخرطوم بإيقاف ضخ وتصدير النفط عبر السودان، رغم اعتماد جنوب السودان عليه بصورة شبه كلية في ظل انعدام الخيارات و البدائل الاقتصادية التي لم تكن متوافرة حينئذ. فتوقف تدفق العملات الصعبة وهوى سعر صرف العملة الوطنية (الجنيه) مقابل الدولار. 

أدى هذا إلى الرفع من تكاليف كل شيء من الوقود إلى زيت الطهي والأرز والفحم والموز. واضطرت الحكومة إلى خفض الإنفاق على التعليم والصحة في بلد لا تزال مؤشرات التنمية تقترب فيه بالفعل من أدنى المستويات العالمية.

وكانت منظمة الأغذية التابعة للأمم المتحدة قد نبهت قبل شهور إلى احتمال انضمام أعداد كبيرة من السكان لخطر المجاعة، ولكن الحكومة كانت قد تعهدت باستيراد نحو 400 ألف طن من المواد الغذائية لتغطية العجز.

وصور قادة الحركة الشعبية لتحرير السودان إيقاف الإنتاج النفطي على انه مرحلة جديدة من الكفاح الوطني لانتزاع الاستقلال الكامل بما في ذلك الحرية الاقتصادية من الخرطوم 'المستعمر' السابق.

بالنسبة للمواطن الجنوبي العادي، فالمسالة كان يتم تصورها في إطار سياسي وسياق مختلف إذ أن قرار إيقاف إنتاج النفط وانتهاج مسار اقتصادي بديل تم التعامل معه من قبل الشارع الجنوبي علي انه موقف مدروس بالكامل من واقع الطريقة التي قرر بها مجلس الوزراء إيقاف إنتاج وتصدير النفط عبر السودان.

النيلان استطلعت مجموعة من المواطنين حول الإجراءات الحكومية البديلة والرامية إلى حفظ التوازن الاقتصادي وإنقاذ البلاد من الانهيار الذي لطالما حذرت منه منظمات دولية ومتابعين للشأن الاقتصادي لجنوب السودان:

أرو ميان. © أتيم سايمون مابيور

يقول المواطن ارو ميان يوول، موظف بمنظمة ’انقذوا الأطفال‘ السويدية بجنوب السودان، أن ”الحكومة محتاجة لوضع سياسات بديلة خصوصاً من الناحية الاقتصادية. حكومة الجنوب في حاجة أيضا لوضع قوانين ولوائح واضحة للتجار الأجانب ثم أيضاً محاولة تطوير التجار المحلين بدلاً من الأجانب ثم ضبط الواردات. كما نعلم الجنوب يعتمد اعتمادا كليا على النفط لذا على الجنوب إنشاء مصافي محلية للنفط لتفادي أزمة الوقود في دولة الجنوب. كذلك الجنوب محتاج للاعتماد على الثروة الزراعية بالأخص زراعة الذرة في أعالي النيل والأرز في شمال بحر الغزال ومستنقعات واراب بالإضافة للثروة الحيوانية.“

أما لويس اجوك لويس، أعمال حرة، فيقول للنيلان: ”الحكومة عازمة على اتخاذ سياسات واستراتيجيات جديدة لإنعاش الاقتصاد الوطني عن طريق الزراعة وحث المواطنين وتشجيعهم عليها“.

لويس أجوك لويس. © أتيم سايمون مابيور

وفيما يتعلق بالسياسات والخطوات التي اتخذتها الحكومة يقول لويس: ”في اعتقادي أراها ناجحة بكل المقاييس لان اتفاقيات التعاون المشترك الموقعة بين حكومة جنوب السودان وشمال السودان لم تطبق في ارض الواقع لذلك وجب على حكومة جنوب السودان استحداث طرق عدة لانتعاش اقتصادها الوطني بتفعيل آلية الزراعة“.

بينما يرى سانتو بربران، طالب جامعي، أن ”حكومة جنوب السودان منذ إيقاف تصدير النفط أعلنت لفظياً عن بديل للنفط.

الأمر المؤسف هو أن جل التصريحات ظلت تتأرجح بين إيجاد بدائل للبترول. ونسبة لعدم المصداقية التي يمتاز بها بعض قادة العمل السياسي نجد أن البديل للنفط يتمحور في استئناف النفط.

وما يدعم قولي هذا خلو الساحة الاقتصادية من أي مورد أو توريد مبالغ في الخزينة العامة تحت بند الإيرادات غير النفطية“.

من وجهة نظر سانتو، حكومة الجنوب لم تتخذ بديلا واضحا غير التصريحات عن استئناف تصدير النفط وكيفية البحث عن البديل حتى الآن.


سانتو بربران. © أتيم سايمون مابيور

واتخذت الحكومة مجموعة من التدابير الجديدة حيث حثت المواطنين ومجتمعاتهم على الالتفات للزراعة بعد أن ظهرت تحذيرات كثيرة من احتمال تعرض البلاد إلى فجوة غذائية جراء إيقاف إنتاج وتصدير البترول من اثره على خزينة الدولة وبالتالي ضعف إمكانية استيراد الحبوب الغذائية. 

وسعت مجتمعات المزارعين بفضل جهود الحكومة وتصريحات المسئولين السياسيين عبر وسائل الإعلام المحلية إلى جعل الزراعة قضية مركزية عند التداول ولكن ظلت الخطط غير واضحة وغير معلنة في كيفية توفير الغذاء.

فقد أقر وزير التجارة والصناعة بجنوب السودان قرنق ديينق بأن وقف إنتاج النفط كان له تأثير كبير على مجريات الحراك الاقتصادي بالبلاد، مشيرا، في تصريح لموقع الجزيرة نت في 25 أبريل\\نيسان العام الماضي، إلى أن جوبا تبذل جهودا للتغلب على التأثيرات السلبية الناتجة عن قرار وقف ضخ البترول عبر تبني سياسة تهدف إلى تطوير القطاعات غير البترولية مثل الصناعة والتجارة والمعادن.

جاء ذلك بعد ان اعلن مجلس الوزراء في احدي اجتماعاته عن سياسة تقشفية تعني مزيد من التضحية وتحمل تبعات القرار في بعده الاقتصادي بدوافعه السياسية. 

وقالت ليز جراند منسقة العمليات الإنسانية للأمم المتحدة في جنوب السودان في جوبا 'أولويتنا الأولى خلال فترة التقشف هي المساعدة على إبقاء الناس على قيد الحياة'.

واطلق أتيم ياك أتيم نائب وزير الإعلام عبارة واحدة تعليقا على الأمر بالقول: ”إنه أصعب من القتال“، سيما وان القرار في بعده الظاهر كان قد حظي بتأييد واسع من قبل الشارع الذي يرى فيه انتصارا جديدا يحقق مكسب عظيم في دعم الاستقلال الاقتصادي. 

ولكن الشارع لاحظ غياب خطة إسعافية تنتشل الأوضاع من الاستمرار في التدهور دون الحاجة إلى إعادة الاتفاق علي تصديره من جديد إلى الخرطوم. 

فالسودان فرض حصار اقتصادي مرفق بطوق امني وقرارات سياسية تبيح قتل كل من يهرب بضاعة إلى الجنوب من السودان في موجة تظهر انزعاجه الكبير بقرار وقف تصدير النفط عبر أراضيه. 

استقرت الأوضاع لدى الحكومة في جنوب السودان علي انتهاج مسارين للإبقاء على الأوضاع في حدود السيطرة الاقتصادية.

فحثت الناس علي الزراعة كما أطلقت نداءات للمانحين والشركاء الدوليين إلى تقديم قروض ومنح في شكل مشروعات عاجلة تساعد الدولة الوليدة في إنجاز التزاماتها تجاه مواطنيها الذين طلب منهم الرئيس سلفا كير أن يشدوا الأحزمة ويزرعوا محاصيل غذائية لتعويض الواردات مع تطلع حكومته للاستفادة من الاحتياطيات النفطية للحصول على القروض.

لكن مع تحذير الخبراء من عدم صمود اقتصاد الدولة فإن الرسالة التي يبلغها المانحون الغربيون لقادة جنوب السودان خلف الأبواب المغلقة هي أن الحديث البطولي عن البقاء بدون النفط إنما هو خرافة وانه يتعين عليهم التباحث مع السودان كنوع من الضغط الذي يخلي ساحة المجتمع الدولي من تحمل أعباء إضافية لمشاكل يرى أن حلولها ممكنة بدون مساعدات ترهق جيبه هو الآخر. 

”لا فائز من الأزمة النفطية ..لا يجب ادخار الجهود في محاولة الوصول إلى تسوية عبر التفاوض“
جوردون براون

وقد جاء في تقرير اصدره في مارس\\آذار العام الماضي رئيس الوزراء البريطاني السابق جوردون براون عن قطاع التعليم في جنوب السودان ”لا فائز من الأزمة النفطية ..لا يجب ادخار الجهود في محاولة الوصول إلى تسوية عبر التفاوض“.

في تلك الأثناء اعلن جنوب السودان عن انضمامه إلى البنك الدولي واصبح بإمكانه الحصول علي مساعدات مؤسسات التمويل الدولي كخطوة متقدمة في سبيل استقطاب المشروعات و القروض المالية. 

وإضافة إلى الانضمام إلى عضوية البنك الدولي للإنشاء والتعمير، أصبح جنوب السودان عضوا أيضا في مؤسسة التمويل الدولية، والمؤسسة الدولية للتنمية، والمركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار، والوكالة الدولية لضمان الاستثمار. 

والمؤسسة الدولية للتنمية هي ذراع مجموعة البنك الدولي الذي يضطلع بمساعدة أشدّ بلدان العالم فقراً. إذا سيكون لجنوب السودان فرصة للحصول على الموارد التمويلية الميسرة للغاية، بالإضافة إلى مجموعة واسعة من الخدمات التقنية والاستشارية من مجموعة البنك الدولي مع قبول عضوية جنوب السودان.

وفي هذا الصدد، تقول أوبياجيلي إيزيكويسيلي، نائبة رئيس البنك الدولي لشؤون منطقة أفريقيا: ”يسعدني جداً أن أرحب بجنوب السودان، أحدث دولة في العالم، كأحدث عضو بمجموعة البنك الدولي، لمساعدته في إدارة ما يواجهه من تحديات إنمائية هائلة عديدة والقضاء عليها، في حين يبني تحالفاً وطنياً واسع النطاق لضمان السلام الدائم والازدهار.“

يوضح ذلك كوستي مانيبي وزير المالية قائلا: ”حتى قبل أن ننضم إلى عضوية البنك الدولي، فإن البنك كان يتعاون معنا عن كثب. ولذلك فإننا اليوم سعداء للغاية باستكمال الشكليات الرسمية أخيرا، وإننا نتطلع إلى شراكة طويلة الأجل مع مجموعة البنك الدولي ونعمل معا على تحقيق التنمية المطلوبة بشدة في جنوب السودان.“

في مقابل ذلك تسعى الحركة الشعبية الحزب الحاكم بـ(جنوب السودان) على خفض الإنفاق المستهدف والقروض الأجنبية والمساعدات لإبقاء جنوب السودان قائما على قدميه إلى أن يتم مد خطوط أنابيب جديدة ما بين عامين إلى ثلاثة أعوام لنقل الخام إلى كينيا وإثيوبيا بدلا من مروره عبر السودان. 

بدون النفط .. لا زال جنوب السودان يأمل في استقطاب مزيد من رؤوس الأموال لإنجاز بعض مشروعات التنمية علي البنية التحتية وتحسين الخدمات التي تشكو هي الأخرى لتردي ناتج عن إغلاق آبار النفط. إذ كان خبراء يتوقعون تحقيق نوع من الطفرة الخدمية إذا ما احتفظت خزينة الدولة بنفس حجم العائدات خلال العام الذي تلى إعلان الاستقلال.

”نتوقع بدء الإنتاج على الفور في مارس، لا سيما إنتاج أعالي النيل من مزيج دار“
باقان أموم

الحياة بدون النفط معادلة صعبة أمام الدولة الجديدة نظرا للتوقعات وآمال المواطنين الذين هم في المحصلة النهائية شعب البلد، مع عدم إغفال الدور الدولي الضاغط. 

فجنوب السودان (دون هذا النفط) يحتاج لتمويل المشاريع الاقتصادية الكبرى حتى بعد استئناف عمليات إنتاج وتصدير البترول حسب متابعات الاتفاق و مبلغ التعويضات الذي ستأخذه الخرطوم، إذ قال كبير مفاوضي جمهورية جنوب السودان في المحادثات مع السودان باقان أموم: ”نتوقع بدء الإنتاج على الفور في مارس، لا سيما إنتاج أعالي النيل من مزيج دار“. 

وأضاف: ”نتوقع بالطبع تعزيز طاقة الإنتاج بمرور الوقت، لن يكون هذا تلقائيا، سيستغرق الأمر وقتا لفتح بئر بعد الأخرى“. وأوضح: ”سيبدأ الإنتاج بنحو 150 ألف برميل يوميا، وفي غضون ثلاثة أو أربعة أشهر سيرتفع إلى 180 ألفا وإلى 190 ألفا، ثم بعد ذلك إلى المستوى السابق، وربما يتجاوزه في غضون عام“.

لا زالت الحاجة قائمة للمساعدات وقد انفض مؤتمر واشنطن في السادس عشر من أغسطس \\آب العام الماضي (يوم واحد) وفي جعبته العديد من التوصيات فيما يتعلق بالنهوض وتنمية جنوب السودان. 

وأوضح بيان صحفي للخارجية الأميركية، أن المشاركين في المؤتمر اتفقوا على العمل معا لمساعدة جنوب السودان على معالجة المسائل المالية قصيرة الأجل وهي تستعد لاستئناف إنتاج النفط، وقدم الوفد الجنوب سوداني خلال المؤتمر عرضا شاملا عن وضع بلاده الاقتصادي وما يتم تطبيقه من إجراءات للتقشف. 

كما نوه البيان بأن المشاركة شملت أيضا بريطانيا والنرويج والاتحاد الأوروبي وبرنامج التنمية التابع للأمم المتحدة وبعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان، والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي وبنك التنمية الأفريقي.

وقدمت الصين كذلك عرضا بتمويل يبلغ ثمانية مليارات دولار لمشروعات الطرق وتوليد الطاقة بالقوى المائية والبنية التحتية والزراعة. 

ويأتي عرض القرض بعد أن زار سلفاكير بكين لطلب الدعم. وتعد الصين اكبر مستثمر بالفعل في حقول النفط في جنوب السودان من خلال شركتي تشاينا ناشيونال بتروليم كورب (سي ان بي سي) وسينوبك الحكوميتين العملاقتين في مجال النفط.

برغم الجهد المبذول رسميا من قبل الحكومة في جوبا نحو استحداث بدائل اقتصادية جديدة بعد أن أصبحت قضية إعادة ضخ النفط مرتبطة بشكل رئيسي بجملة القضايا العالقة مع السودان. إذ تبينت بعض التعقيدات السياسية بين البلدين التي حالت دونما الوصول إلى أي اتفاق أو تسوية مقبولة في ظل تفاقم الأوضاع المعيشية لشعبي البلدين إلى حد كبير. فالتفاوض لا يزال مستمرا برعاية الآلية الرفيعة للاتحاد الإفريقي.

عمليا تفاقمت معاناة المواطنين وتوقفت الحكومة عن دعم مشروعات التنمية والبنية التحتية نسبة لشح الموارد.

مثلما تضرر القطاع الخاص الوطني بدرجة كبيرة بعد زيادة الضرائب و الجمارك بجانب وجود ندرة في العملات الصعبة. 

وجدد سلفا كير أثنا مخاطبته مؤتمر حكام الولايات في دورته الثانية في فبراير العام المنصرم حرصه على العمل مع شركاء التنمية الدوليين لتطوير الموارد غير النفطية، خاصة بعد خروج صادرات البترول من موازنة الدولة منذ يناير/كانون الأول أثر خلافه مع السودان حول تصديره عبر أراضيه.

بنظر كثير من المهتمين والمختصين بالشان الاقتصادي لجنوب السودان فان الدولة اهتمت بالحديث عن سياسات عامة وتوجهات مفتوحة لمواجهة ازمة النفط، لكن ذلك لم تتبعه خطة مدروسة قائمة على تقدير الاحتياجات الفعلية ومن ثم استقطاب رؤوس الأموال الأجنبية للدخول في المشروعات ذات الطابع الخدمي، على الأقل إلى حين طي صفحة الخلاف حول النفط او تسويقه من خلال نقله بالجرارات كما رشح مؤخرا. 

فيبدو أن جنوب السودان يدفع ثمن استقلاله عن السودان حسبما يتضح في رهانات السودان وحزبه الحاكم.

”مداخيل الحكومات في العالم كله تعتمد على الإيرادات الضريبية وليس النفطية"  أبراهام متوج ضال

بيد أن أبراهام متوج ضال، أستاذ في جامعة رومبيك في جنوب السودان، يرى إمكانية أخرى لإخراج جنوب السودان من الأزمة. ويراهن ضال في هذا الخصوص على الاستثمارات الخارجية. إذ يؤمن بأن بلاده تتوفر على المناخ المناسب لتشجيع المستثمرين الأجانب للقيام بمشاريع في السودان الجنوبي. وقد أصدرت حكومة جوبا قوانين جديدة لتشجيع الاستثمار في القطاع الخاص.

ويشكل عدم الاعتماد على النفط فقط لضمان مداخيل الدولة الأولوية بالنسبة لمتوج. ويفسر ذلك بـ "أن مداخيل الحكومات في العالم كله تعتمد على الإيرادات الضريبية وليس النفطية". كما أن جنوب السودان يتوفر على ثروات أخرى مثل الذهب واليورانيوم. ويقول ماتوج إن ”جنوب السودان دولة خصبة“، وبالتالي لديها ما يكفي من الإمكانات لتحسين قدراتها الاقتصادية.

لم تضع الحكومة حتى الآن تصورا استراتيجيا ناجعا لتفادي تدهور الوضع الاقتصادي بالدولة الوليدة يؤكد للمواطن العادي أن الحياة بدون النفط ممكنة وليست مستحيلة علي الإطلاق. 

فبعض الخطوات التي أنجزت كانت محاولة من وزارة المالية لترشيد الصرف وتقليل النفقات الحكومية، لكنها ليست بمعالجات كافية علي اية حال. 

فاذا لم تستفد الحكومة من الموارد الاقتصادية الأخرى فإنها ستعجز حتم ليس في توفير المعينات الضرورية فقط وإنما قد يبلغ الأمر مرحلة التدهور الامني جراء استفحال الفقر وتدني الرواتب عن تلبية حاجيات المواطن المعيشية.

وقد استشهد كثيرون بحالات السطو والنهب الليلي المسلح التي شهدتها مدينة جوبا في العام الماضي بالسياسات التقشفية التي حدت بالحكومة إلى إجراء استقطاعات في رواتب الموظفين و القوات النظامية الأخرى في ظل ارتفاع سعر المواد الغذائية وموجة الغلاء التي ظل يشهدها السوق بلا توقف. تقول الحقائق أن جنوب السودان دولة غنية من حيث الموارد قياسا مع مساحتها ونسبة سكانها.

لكن النظرة الاقتصادية للحكومة قامت في الأساس علي الاستفادة من مورد النفط باعتبار انه لا توجد له كلفة كبيرة عكس بقية الموارد التي تحتاج إلى شراكات وتفاوض طويل مع الجهات الراغبة دوليا وهو استهلاك للزمن.

لكن حاليا اتضح العكس فالقرار الحكومي بإيقاف إنتاج النفط وان بدأ يراعي مصلحة المواطن فانه ونسبة لانعدام التخطيط والرؤية قاد إلى ازدياد معاناة المواطن الذي اختار دولته التي يمكنه أن ينعم فيها بموارده. 

المعادلة قد تبدو أصعب من الحلول الشكلية التي اتخذت حاليا.

فهل من سياسات جديدة تنظر في البدائل وتضع حدا لمعاناة المواطن الجنوبي. أم أن الحكومة ستدفع مصداقيتها ثمنا لأخطاء السياسة وعجز التدابير؟