الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

الاقتصاد السوداني: متلازمة التعب المزمن!

حسن بركية
‎الخرطوم - ما بقي في جسد الاقتصاد السوداني موضع إلا وفيه ضربة سيف أو طعنة رمح. وجاءت أزمة هجليج الجديدة إلى جملة الأزمات التي تحاصر الاقتصاد السوداني في أعقاب استقلال جنوب السودان.
27.04.2012
‫بلغ سعر الدولار حوالي 6 جنيهات في السوق السوداء بينما يظل السعر الرسمي نحو 3 جنيهات للدولار (2011\\08\\08)‬.
‫بلغ سعر الدولار حوالي 6 جنيهات في السوق السوداء بينما يظل السعر الرسمي نحو 3 جنيهات للدولار (2011\\08\\08)‬.

تنتج حقول منطقة هجليج حوالي 60 في المائة من إجمال إنتاج النفط في السودان و خسائر المنطقة من جراء الحرب ستنعكس سلبا على السودان في مناحي عدة أولها في مجال ميزان المدفوعات، والذي يعاني من عجز دائم بعد خروج نفط الجنوب من حصيلة الصادرات، كما يقول الخبير الاقتصادي ورئيس حزب البعث السوداني المعارض محمد علي جادين. 

وجاء على لسان وزير النفط السوداني عوض أحمد الجاز أن الدمار، جراء حرب هجليج، طال كل المنشأت الرئيسية من غرفة التحكم ومحطة المعالجة المركزية وخطوط الأنابيب ومحطات الكهرباء. وقدر البروفسيور عصام الدين بوب، أستاذ الاقتصاد بجامعة النيلين، الخرطوم، في تصريحات صحفية أن إعادة تشغيل حقل هجليج ستكلف حوالي ستة مليار دولار.

”إعادة تشغيل حقل هجليج ستكلف حوالي ستة مليار دولار“
عصام الدين بوب

أمام كل هذه الخسائر الهائلة، الشعب السوداني بكل فئاته يتسائل حول مستقبل السودان الاقتصادي. 

ردا على هذا السؤال، يقول الدكتور الحاج حمد الباحث الاقتصادي و رئيس المجموعة السودانية للتنمية البشرية: \"في حال إستمرار الصرف الحكومي البذخي، وإدارة اقتصاد حرب، فإن السودان سيقع في الهاوية ولن يجد من يمد له يد المساعدة.\"

و الهاوية لا تبدو بعيدة فسعر صرف الجنيه السوداني وصل إلى مستوى قياسي، إذ بلغ سعر الدولار حوالي 6 جنيهات في السوق السوداء، مقارنة مع 3.7 جنيه للدولار عند انفصال الجنوب، بينما يظل السعر الرسمي نحو 3 جنيهات للدولار.

ومن جانبه حاول نائب محافظ البنك المركزي بدر الدين عباس تبديد المخاوف من التدهور الكبير الذي أصاب الجنيه السوداني وقال في تصريحات صحفية يوم 23 أبريل \\ نيسان إن ”التجار استغلوا أحداث هجليج للمضاربة بالدولار وقاموا بإحداث حالة من الهلع والخوف‘‘. وأضاف عباس متفائلا: ”نتوقع  تراجع قيمة الدولار أمام الجنيه في الأيام القادمة بسبب وصول تسهيلات وقروض من الخارج“.

”التجار استغلوا أحداث هجليج للمضاربة بالدولار“
بدر الدين عباس

ويواجه السودان أزمة اقتصادية خانقة بعد انفصال الجنوب في التاسع من يوليو الماضي بسبب ارتفاع معدل التضخم إلى 21.1 في المئة في أغسطس  \\ آب الماضي وندرة العملة الصعبة.

حسب عدد من الخبراء الاقتصاديين، فقدان نفط الجنوب خلق خللا في تدفق العملات الأجنبية ويؤثر على ميزان المدفوعات وربما يؤدي إلى عجز مالي لأن عائدات النفط كانت تشكل 90% من العائدات الرئيسية للاقتصاد.

وقال الشيخ المك، وكيل المالية الأسبق، في ندوة عقدت بالخرطوم يوم 23 أكتوبر \\ تشرين الأول 2011، أن الحالة السيئة للاقتصاد السوداني أدت إلى هروب رؤوس أموال سودانية تقدر ب 13 مليار دولار إلى أثيوبيا ومصر.

لمزيد من المعلومات إقرأ : عائدات تعدين الذهب... هل تشكلُّ بديلاً للنفط؟

إذا استمر الحال على ما هو عليه، فهناك توقعات أن الاقتصاد السوداني لن ”يتجاوز هذه المرحلة الحرجة قريبا\"، كما يفسر الخبير الاقتصادي ومؤلف الكتاب بعنوان ”السودان، اقتصاد الانقاذ والإفقار الشامل“ محمد عبده كبج.

وأقر الرئيس السوداني عمر البشير بالآثار السالبة لانفصال الجنوب وصرّح في خطاب أمام البرلمان السوداني في مطلع شهر أكتوبر \\ تشرين الأول من العام الماضي أن \"خروج عائدات صادر النفط من اقتصادنا القومي ترك أثرا لا يُمْكِن تجاهله“.

لمحاصرة التداعيات السالبة لإنفصال الجنوب قررت الحكومة السودانية تقليل الانفاق العام، ودعم القطاع الزراعي الذي تدهور في الأونة الأخيرة. وأعلنت الحكومة السودانية في مطلع شهر نونبر\\ تشرين الثاني من السنة الماضية خفض ميزانية جهاز الأمن والمخابرات.

”للخروج من الأزمة علينا أن ننوع من صادراتنا  وتقليل الواردات وحجب بعض مظاهر الإنفاق الإستهلاكي في الحكومة“ علي عثمان محمد طه

وقال النائب الأول لرئيس الجمهورية علي عثمان محمد طه في حوار مع قناة النيل الأزرق يوم 22 من أبريل \\ نيسان أنه ”للخروج من الأزمة علينا أن ننوع من صادراتنا  وتقليل الواردات وحجب بعض مظاهر الإنفاق الإستهلاكي في الحكومة“، الشيء الذي جاء مؤكدا لحالة الاقتصاد السوداني المتدهورة.

وبعد أن حاصرت أسئلة المعاش اليومي المواطن السوداني من جراء الإرتفاع الجنوني لأسعار السلع الغذائية مع الشرارة الحرب الأولى في هجليج، سيطرت حالة من القلق على الشارع السوداني.  

بدأت مشاهد الصفوف الطويلة للسيارات أمام محطات الوقود تعود بعد أن ظن أهل الخرطوم أن ذاك العهد ولي ولن يعود، ولكن مع الأيام بدأت الأحوال تعود لطبيعتها، وقالت مصادر الحكومية أن ماحدث كان بسبب جشع بعض التجار والشائعات التي أطلقتها قوي معادية لإستقرار الوطن، حسب وصف قيادات الحزب الحاكم.

لمزيد من المعلومات إقرأ : اقتصاد ما بعد الانفصال – ما هي السيناريوهات المطروحة؟

ويري ماجد القوني، معلم، أن ”توقف ضخ النفط من حقول هجليج أثر بصورة مباشرة على المواطن السوداني“.

ويضيف القوني ”بعض التجار الجشعيين أستغلوا الظروف ورفعوا الأسعار دون وازع من أخلاق“.

أما سارة ضيف، موظفة، فتعتقد أن ”الحكومة ستسعى بصورة جادة لتأمين مبلغ تشغيل محطات هجليج، لأن إعادة ضخ نفط هجليج تعني دعم قدرات الحكومة لمواجهة الحروب المشتعلة في أكثر من مكان“. وتضيف سارة: ”ولكن ضحية ذلك سيكون المواطن العادي لأن هذه المبالغ ستخصم من رصيدنا المتدني في التعليم والصحة.“

”لن نسمح بمرور بترولهم ولو أعطونا نصف القيمة في كل برميل“
الرئيس السوداني عمر البشير

وكان الرئيس البشير قد أعلن منع مرور بترول دولة جنوب السودان عبر الأراضي السودانية وذلك أثناء مخاطبته لحشود جماهيرية عقب تحرير هجليج بواسطة القوات المسلحة السودانية وقال البشير ”لن نسمح بمرور بترولهم ولو أعطونا نصف القيمة في كل برميل“.

لكن الخبير الاقتصادي محمد علي جادين يرى أن تصريحات البشير تفهم في إطار إنفعالات حرب هجليج ولكن اعتبارات الجغرافيا والتاريخ والمصالح ستجبر السودان وجنوب السودان على الحوار لتبادل المصالح.