الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

١\ الهوية: قد تظهر الانعكاسات أقرب مما تبدو
القناع الأبيض

الزهراء إبراهيم
صراعات الهوية تدفع بعض السودانيين والسودانيات لتبييض البشرة من أجل الشعور بالانتماء.
19.12.2016  |  الخرطوم، السودان
امرأة من جنوب السودان في الخرطوم، ١٤ سبتمبر ٢٠١٣.  (الصورة: النيلان | محمد هلالي)
امرأة من جنوب السودان في الخرطوم، ١٤ سبتمبر ٢٠١٣. (الصورة: النيلان | محمد هلالي)

تعتمد الكثير من المؤسسات في السودان على سياسات تفرقة وأنظمة توظيف في القطاعين الخاص والعام قائمة على الشكل. ولطالما بقيت الهوية السودانية موضوع نقاش وجدال. يتحتم على بعض الأفراد الانسلاخ عن هوياتهم والاندماج في الصورة الأنموذجية المرغوبة.

ظاهرة تغيير لون البشرة مثلاً متفشية في المجتمع السوداني. بدأتها النساء والفتيات، والآن يلحق بركب هذه الممارسة المثيرة للجدل بعض الرجال أيضاً، مستخدمين العديد من المستحضرات الممنوعة صحياً، أو المركبات الكيميائية، أو إبر تغيير اللون الغالية السعر وغيرها. أصبح تبييض لون البشرة تجارة رابحة، يرعاها المجتمع بمفاهيمه الخاطئة ويشجعها الإعلام بالصور النمطية التي يقدمها عبر المنافذ الإعلامية المختلفة.

 

اللون الأبيض أكثر قيمة

تسجل الأمراض الجلدية الناتجة عن كريمات التبييض والتفتيح وغيرها ما يقارب ثلث حالات الأمراض الجلدية بالمستشفيات. وقد أعلنت وزارة الصحة في شهر آب/أغسطس ٢٠١٦ عن ١٣٤٧ حالة خطرة قد تؤدي للسرطان خلال ثلاثة أشهر.

غالبية مجتمعنا السوداني يفضل المرأة بيضاء البشرة.“
أسماء محمد جمعة 

انطلقت الكثير من حملات التوعية التي قامت بها العديد من الناشطات والحركات النسوية وبعض الطالبات بالجامعات، مثل هاشتاغ Bashrati# - وهي حملة بدأت في أيار/مايو ٢٠١٥ تهدف لنشر الوعي عن جمال جميع الألوان التي تجعل من السودان بلداً متنوع الثقافات – وبرغم تلك الحملات، إلا أن عدد المصابين بأمراض جلدية في ارتفاع متواصل.

"غالبية مجتمعنا السوداني يفضل المرأة بيضاء البشرة"، تقول أسماء محمد جمعة، صحفية وباحثة اجتماعية. "بعض المؤسسات في سوق العمل تتصرف بشكل يمكن أن يندرج تحت قائمة التفرقة العنصرية، إذ تقوم بتوظيف فتيات بمواصفات معينة، مما يجعل بعض الفتيات يقمن بتفتيح لون بشرتهن للحصول على وظيفة جيدة بعيداً عن موضوع الهوية."

أضافت جمعة أن هذا ليس خاصاً بالسودان وحده، بل هو ظاهرة عالمية، فالكثيرات من أصحاب البشرة السوداء في مختلف الدول، ومنها دول متقدمة، يلجأن إلى تغيير لون بشرتهن، معتقدات بأن اللون الأبيض أكثر قيمة. "لا أدري ماذا تستفيد الفتيات اللاتي يرغبن في تغيير لونهن من أجل الزواج من هذه الخطوة؟ حتى لو صارت بيضاء، سيظل نسلها باللون الطبيعي، هل ستغير لونهم جميعا؟"

الجسد عبارة عن لافتة يمكن أن يكتب عليها صاحبه ما يشاء. تفتيح لون البشرة هو جزء من ذلك.“
عباس الحاج الأمين

تقول جمعة إن لونها الأسمر الطبيعي لم يعق حياتها وعملها بأي شكل كان، وحتى لو اصطدمت بأي إشكاليات في المستقبل، فإنها لن تقوم بتغييره لقناعتها الراسخة بالحفاظ على لونها الطبيعي. 

"هنالك تحولات في الجسد الإفريقي عموما، وليس فقط في السودان"، يقول أستاذ الفولكلور بعدد من الجامعات السودانية عباس الحاج الأمين.

"الجسد عبارة عن لافتة يمكن أن يكتب عليها صاحبه ما يشاء. تفتيح لون البشرة هو جزء من ذلك، مثلما كان هنالك في القديم في السودان ممارسات أخرى مثل "دق الشلوفة"، حقن الشفاه بمادة سوداء تكسبها لونا داكناً و"الشلوخ"، جروح عميقة ذات معاني معينة على الخدود تترك ندوباً دائمة. الهوية ليست أمراً موروثاً ثابتاً، بل هي مكتسبة وقابلة للتغير"، يضيف الأمين.   

 

أسئلة حول الهوية بعد الانفصال 

من أسباب تغيير لون البشرة: المنظور السياسي المستبعد للأقليات. "في عام ٢٠١١ عندما كانت الساحة السياسية تشي بانفصال الجنوب، قامت العديد من الفتيات الجنوبيات من اللاتي بقين في السودان بتغيير لون بشرتهن. كانت هذه محاولة منهن للاندماج في مجتمع يرفض الأقليات ويتعصب للعروبة. وهذا يدل على فهم مغلوط متجذر في الذهنية الاجتماعية، إذ إن العرب أنفسهم ليسوا بيض البشرة أصلاً"، يقول الأمين.  

 

خلفية ثقافية خصبة 

"تم طرح سؤال الهوية منذ فترة ما قبل الاستقلال"، حسبما قول الأمين. "الأفندية الأوائل الذين تخرجوا من كلية غوردون بدأوا بطرح بعض التساؤلات: هل نحن أفارقة أم عرب؟ وتم توارث هذا السؤال عبر الأجيال، مما أفرز عدة مدارس تحاول الإجابة على هذه التساؤلات مثل العربية والإفريقية والأفروعربية ومدارس أخرى تقوم على التنوع، منها أطروحات الحركة الشعبية في بدايتها.

عدم وجود إجابة حتى الآن يعود لطبيعة تكوين المجتمع السوداني نفسه، يفسر الأمين، والذي يقوم على التنوع الثقافي والعرقي والديني. معظم الذين حاولوا الإجابة على هذا السؤال انطلقوا من مسلمات مسبقة، ومنهم الباحثون الذين قاموا بتأسيس المدارس المذكورة آنفاً.

"السودان بطبيعته أرض ثقافية خصبة، وأي شخص أراد تأكيد فكرته عن هوية بعينها يجد في السودان ما يدعم نظريته، بما يدل على وجود العديد من المكونات العربية والإفريقية وغيرها."

 

تأثير الصورة النمطية

ظل السودان يرزح تحت وطأة تيار التعريب، الذي تبناه النظام الحاكم. وظلت الكثير من المجموعات الثقافية المتعددة تتعرض للإقصاء. منها بعض السلالات الأصلية كالنوبية، الزنجية، البجاوية وغيرها. كل الحكومات الوطنية المتعاقبة فشلت في خلق بيئة سليمة تتمازج فيها مختلف الألوان والثقافات واللغات في وطن واحد. 

الدين الإسلامي نفسه دين للناس كافة لا يستثني عرقاً أو جنساً.“
عباس الحاج الأمين 

"المشروع الإسلامي السياسي في السودان حمل معه موجة العروبة. وفي ذلك سوء فهم كبير، لأن الدين الإسلامي نفسه دين للناس كافة لا يستثني عرقاً أو جنساً"، يقول الأمين. 

"مفهوم الهوية نفسه يتضمن بعض الإشكاليات، بحيث أنه لا توجد هوية واحدة، كل منا فيه عدد من المكونات، لا يوجد دم صافٍ، فكل الأعراق والسلالات متداخلة، باستثناء بعض المجموعات الإفريقية التي ظلت منغلقة. وبناءً على ذلك، فكل فرد في المجتمع يحمل عدداً من مكونات الهوية بداخله، وهو يختار منها واحدة لتكون شخصيته ولتعكس الصورة التي يرغب بها." يضيف الأمين أن "ما نراه في الآونة الأخيرة من تغيير النساء للون بشرتهن هو رغبتهن بإظهار جانب معين من مكونات هويتهن، وهذا ليس خياراً عفوياً، بل موجه بإيديولوجيات عديدة". 

ميل الشاب السوداني للفتاة البيضاء هو نتيجة للصورة النمطية الأنموذجية التي قامت برسمها وسائل الإعلام الجماهيرية، من خلال المذيعات اللاتي يطللن من خلال الشاشات والمساحات الإعلانية التي تطغى عليها وسائل تبييض البشرة والتنحيف ومستحضرات التجميل وغيرها، يفسر الأمين، لذلك صارت الفتيات في سعي حثيث ليصبحن على تلك الشاكلة، وأصبحت هذه الصورة هي المفضلة لدى الرجال.

ومع ذلك، هنالك من يرفض هذه الممارسات الخطرة. ففي مهرجان 'الأجنق'، هو عبارة عن عرض لثقافات الدينكا، تم تقديم أغنية طويلة تشجب تغيير الجنوبيات للون بشرتهن. وقد قوبلت الأغنية الهتاف والتأييد الكبير من قبل الحضور في المهرجان. 

هذا التقرير يقع ضمن ملف:
#السكان: لم يُرْسَل أحد ليرى
جميع مواضيعنا متوفرة لإعادة النشر. نرجو الاتصال بنا عبر عنوان بريدنا الالكتروني عند إعادة نشر تقاريرنا، صورنا أو أفلامنا.