الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

الغربة - وحدة وحنين

عثمان شنقر
الغربة كلمة دخلت الوجدان السوداني، نجدها في الأغاني التقليدية وفي الشعر السوداني، تنقل لنا مشاعر إنسانية ووجدانية دقيقة تتعلق بالوحدة في المهجر والحنين إلى الوطن.
6.12.2016  |  نيروبي، كينيا
أطفال من جبال النوبة يلعبون في شاحنة عسكرية معطّلة على مشارف مخيم ييدا للاجئين. (الصورة: النيلان | مارك هوفر)
أطفال من جبال النوبة يلعبون في شاحنة عسكرية معطّلة على مشارف مخيم ييدا للاجئين. (الصورة: النيلان | مارك هوفر)

السودانيون حديثو العهد بالهجرة والغربة نسبة لالتصاقهم الطويل بالحياة العشائرية والقبلية حيث لم يكونوا يتصورون كيف يمكن أن تكون حياتهم خارج أسوارها. امتدت رياح التغيير الاجتماعي والاقتصادي والسياسي خلال العقود الأخيرة وضربت المفاصل الأساسية لبنية المجتمع الأبوي، وحملت معها، من ضمن ما حملت من مفاهيم وقيم، مفهوم الهجرة.

كانت الهجرة الأولى إلى المدن الكبيرة من الأرياف، ثم تطور الأمر إلى الهجرة نحو الدول العربية، ثم الأسيوية، فالأوربية، وأخيرا إلى أمريكا وكندا وأستراليا.

تكونت في هذه المهاجر مجتمعات سودانية صغيرة، في بادئ الأمر، غير مندمجة في المجتمع الجديد. هذا طبع سوداني متأصل، فالسوداني عندما يذهب إلى بلد جديد فإنه يبحث عن أبناء بلده ليحتمي بهم.

بالنسبة لتلك الأجيال الجديدة التي ولدت في المهاجر، تحديداً الأوربية والأمريكية، وتلقت تعليما منتظما في المدارس والجامعات الأجنبية، فهم، حسب من بقي في الوطن، لا يشعرون أن لهم جذورا خارج الوطن الجديد. هم تشرّبوا قيم المجتمع الذي نشؤوا فيه ولا يحسون بسودانيتهم في شيء مما حولهم.

فوق هذا وذاك فإن حياتهم في تلك المهاجر لفترات طويلة جعلتهم متذبذبين، يعيشون أزمة هوية مزدوجة: لا هم سودانيون مرتبطون بوطنهم، ولا هم مواطنو ذلك البلد الذي يعيشون فيه. أورث كل هذا بعضهم اضطرابات نفسية ومفاهيمية بخصوص الهوية ومفهوم الوطن نفسه.

للغربة وجه آخر. البعض من السودانيين، خصوصاً من الأجيال القديمة، أصبحوا يحسون بالغربة في وطنهم، نسبة للتغيير الاجتماعي السريع في المفاهيم والقيم. فتجد الرجل الذي بلغ الستين أو ذاك الذي على مشارف السبعين يتذمر دائماً مما يجري من سلوكيات إنسانية لا تنسجم معه ومع مفاهيمه فيقول لك: ”نحن أصبحنا غرباء في هذا البلد.“

هناك دائماً حنينٌ يشدُّنا للوطن، للأرض وللناس الذين عشنا وتربينا معهم. لكن هذا الأمر يبدو مُحزناً عند عودتنا بعد سنواتٍ طويلة لأرض الوطن. عندما نعود سنجد وطناً آخر ليس ذلك الذي ألفناه. سوف نجد أناساً آخرين، هم نفسهم أهلنا، لكنهم تغيروا وتبدلوا. إنها سنة الحياة، إنها الغربة.

هذا التقرير يقع ضمن ملف:
#الهجرة: أبناء الأرض يتبعثرون كطيورٍ تهرب من سماء تشتعل
جميع مواضيعنا متوفرة لإعادة النشر. نرجو الاتصال بنا عبر عنوان بريدنا الالكتروني عند إعادة نشر تقاريرنا، صورنا أو أفلامنا.