الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

خمسة أيام في ملكال

فرانسيس مايكل
يصف المراسل الإذاعي فرانسيس مايكل خوفه وصدمته عندما اندلع القتال في ملكال، وكيف حولها إلى مدينة أشباح.
23.11.2016  |  ملكال، جنوب السودان
 سوق ملكال بعد المواجهات العنيفة بين القوات الحكومية وقوات المعارضة المسلحة، ديسمبر، ٢٠١٣.  (الصورة: النيلان | فرانسيس مايكل)
سوق ملكال بعد المواجهات العنيفة بين القوات الحكومية وقوات المعارضة المسلحة، ديسمبر، ٢٠١٣. (الصورة: النيلان | فرانسيس مايكل)

الأجواء في مدينة ملكال صبيحة يوم ٢٣ كانون أول/ديسمبر ٢٠١٣ هادئة. يوم واحد يفصل الناس عن عيد الميلاد. سكان المدينة منشغلون بتجهيزات العيد. ازدحام في السوق الرئيسية. رغم ما حدث في جوبا ليلة ١٥ كانون أول/ديسمبر، تجد المدينة هادئة والناس متفائلين بأجواء العيد. هكذا كنا في ملكال.

خرجت من المنزل صباح ذلك اليوم إلى مقر عملي، إذاعة "صوت المحبة" في حي ملكية، الذي يبعد نحو سبعة كيلومترات عن منزلي. في طريقي إلى المكتب أجريت استطلاعات الرأي للمواطنين عن استعدادهم للعيد، بخاصة في ظل غلاء الأسعار في السوق بسبب إغلاق الحدود في منطقة جودة، شمال الولاية مع دولة السودان. 

قدمت تراتيل روحية (أغاني العيد) للمستمعين. 

وصلت الإذاعة عند الساعة التاسعة ونصف صباحاً. وعند الساعة الحادية عشر انتهى الدوام الصباحي لمذيع الربط في الاستوديو. لم يكن هناك شخص آخر غيري، وعليه استلمت الدوام الثاني. قدمت تراتيل روحية (أغاني العيد) للمستمعين. 

اتصل بي شخص يريد معرفة ما يحدث في المدينة. قال لي إن الناس تفر من المدينة جهة النيل والسوق الكبير. اتصلت بصديقتي التي كانت في السوق من أجل شراء بعض الأغراض الخاصة. وجدت هاتفها مغلقاً. لم أعلم آنذاك أنها فقدته أثناء فرارها من السوق.  

وجدت الناس مسرعين في الشوارع، العديد منهم يجرون.

خرجت من الاستوديو من أجل التأكد، فوجدت الناس مسرعين في الشوارع، العديد منهم يجرون. اتصلت بمديرة المحطة وأخبرتها بما يحدث. أمرت بإغلاق المحطة، لأن المعلومات الواردة كانت تفيد أن قوات التمرد هاجمت المدينة عن طريق النهر.

قبل أن أخرج وصل اثنان من زملائي، وأغلقنا الإذاعة سوياً. أثناء خروجنا من المحطة، قابلنا وزير الإعلام الولائي آنذاك، فليب جيبني أوقال، وهو يسرع إلى الإذاعة، طالباً مني إعادة فتحها حتى يخاطب المواطنين ويدعوهم للعودة إلى منازلهم. هاتفت مديرة المحطة التي قررت فتح المحطة مجدداً. كانت التعليمات أن تكون البرامج مسجلة. 

خاطب الوزير المواطنين ليطمئنهم بعدم وجود أي مشكلة، ويدعوهم للعودة إلى منازلهم بعد هرب العديد منهم إلى مقر الأمم المتحدة خارج المدينة.

في مساء نفس اليوم، وعند تحققي مما حدث بعد ذلك حتى يتسنى لي كتابة الخبر، أجريت مكالمات هاتفية مع جهات مسؤولة أخرى. علمت أن حكومة الولاية خرجت من المدينة إلى مقر الأمم المتحدة وعلى رأسها الحاكم. واصلت تحققي من المعلومات من زملاء يعملون مع الأمم المتحدة، وتبين في نهاية الأمر أن خلافاً برز بين وزراء الحكومة أدت إلى انقسامهم على خلفية أحداث ١٥ كانون أول/ديسمبر في جوبا.

عشنا في مدينة ملكال في تلك الأمسية حالة من الخوف.

عشنا في مدينة ملكال في تلك الأمسية حالة من الخوف، لأن كل التوقعات تشير بحدوث مشكلة خلال ٢٤ ساعة. في الليلة ذاتها حدث إطلاق نار في القيادة العسكرية التي تبعد عن منزلي أقل من كيلومتر ونصف. كانت أصوات إطلاق النار مرعبة جداً. كانت تلك أول مرة في حياتي أسمع فيها أصوات النار تطلق بصورة مذهلة من رشاشات، وأر بي جي، وبي كيم. 

بالقرب من المنزل الذي أسكن فيه يوجد كذلك منزل عضوة في برلمان الولائي. كان من يطلق النار يحاول توجيه طلقاته نحو ذلك المنزل، ولكنها كانت تصل إلى منزلي كذلك. 

حضرت مثل هذه الحرب العشوائية مرتين. في عام ٢٠٠٦ عندما كنت أسكن بالقرب من منزل حاكم ولاية أعالي النيل السابق بيتر شارلمان. بدأت حرب بين الجيش الشعبي وميليشيات حكومية. كان هذا المنزل مصدر قلق، فقد كان يتم استهدافه مراراً وتكراراً. 

وفي عام ٢٠١١ انشقت قوات ميليشية من الجيش السوداني عند فك الارتباط. وقتها كنت في الإذاعة التي تبعد أقل من ٣٠٠ متر من معسكر الجيش، وقضيت ليلة كاملة في الإذاعة. هاتان الحادثتان لم تصلا إلى درجة الرعب الذي بقينا فيه حتى الساعة السادسة والربع صباحاً، إذ بدأت الأوضاع تهدأ. 

تعود سكان مدينة ملكال على إطلاق النار في المدينة، حيث كانت الأوضاع تهدأ في نفس اليوم.

في صباح يوم ٢٤ كانون أول/ديسمبر وعند السابعة صباحاً خرج المواطنون للشوارع. تعود سكان مدينة ملكال على إطلاق النار في المدينة، حيث كانت الأوضاع تهدأ في نفس اليوم. بالفعل هدأت الأوضاع وبدأ السكان يتنقلون من الشمال إلى الجنوب ومن الغرب إلى الشرق. ولكن كانت حالة عدم الاستقرار مازالت محسوسة.  

قصد معظم السكان مقر الأمم المتحدة طالبين الحماية، بينما ذهب البعض الآخر إلى قرى مجاورة. في مساء نفس اليوم ذهبت إلى مقر الأمم المتحدة من أجل الاطلاع على أوضاع المواطنين. وجدت حالتهم سيئة جداً، فقد كانوا في العراء وفي حاجة شديدة إلى الماء، إذ كانوا يشربون مياه الجداول حول المقر، التي كانت مختلطة بمياه الصرف الصحي.

بعد إجراءات مشددة من رجال الأمن في المقر، حاولت الاتصال مع مسؤولة الأمم المتحدة في ملكال دبورة شين. وبمساعدة أحد موظفي البعثة المحليين وصلت إليها. سألتها عما ستفعله البعثة فيما يخص المواطنون المتواجدون خارج أسوارها، خصوصاً وأن عملية إطلاق النار العشوائية مستمرة. قالت إنهم ينتظرون التعليمات من جوبا وليس باستطاعتهم إدخال الناس إلى مقر الأمم المتحدة. استطاع بعض المواطنين "المحظوظين" دخول المقر مع أسرهم بوساطة عدد من العاملين هناك. أما المئات الآخرون فظلوا خارج البعثة، منذ صباح ذلك اليوم حتى الساعة السابعة مساءً. نتيجة إطلاق النار العشوائي مات طفل ورجل مسن وجرح ثلاثة مواطنين من بينهم طفل في الخامسة من العمر.

في صباح يوم ٢٦ كانون أول/ديسمبر قررت البعثة أن تخرج إلى المدينة لجلب الطعام والخيم من مخازن منظمة الغذاء العالمي، بعد ان تم إقرار هدنة بين الحكومة والمتمردين. كنت واحداً من ضمن العمال المستعدين للخروج إلى المدينة. كان هدفي الأساسي معرفة ما يجري، فبعد أن اكتملت ترتيبات الهدنة، بدأ إطلاق النار من جديد وأصيب شخصان خارج المقر. 

في نفس ذلك اليوم دار جدال بيني مع موظفة دولية في البعثة، وهي المسؤولة عن شؤون الإغاثة جنسيتها أوغندية، بعد أن رفضت نقل الخيم خارج المخيم لإيواء المواطنين المحتاجين لحماية.   

في ليلة ٢٦ كانون أول/ديسمبر، قررت بعثة الأمم المتحدة في ملكال إدخال المواطنين إلى مقرها لتفادي إصابتهم بطلقات طائشة، بعد أن أفادت المعلومات أن القوات الحكومية ستهاجم المدينة صباح اليوم التالي. 

الجوع والعطش والتعب من الجلوس تحت حرارة الشمس لثلاثة ايام

كانت تلك أصعب ليلة في المخيم: كان علينا نقل المواطنين المرضى إلى مستشفى داخل المخيم. الجوع والعطش والتعب من الجلوس تحت حرارة الشمس لثلاثة ايام منذ يوم ٢٣ كانون أول/ديسمبر كانت السبب الأول وراء مرض المواطنين. معظم المرضى كانوا من طالبات جامعة أعالي النيل والنساء الحوامل. كنا ننقلهم إلى المستشفى أو نعطيهم عصيراً وماءً فقط، لأننا لم نكن نملك أي طعام. لم يكن لدينا شيء. 

كنت أشعر بالجوع، ولكن لم يكن هناك خيار آخر غير التحمل والصبر ومساعدة الناس. هكذا تحولت من العمل الصحفي إلى العمل الإنساني دون أن أخطط لذلك.

كنا نقضي ليالينا في المكتبة، بفضل شاب وطني يعمل في قسم حماية الإيدز، الذي أقنع ممثلة الأمم المتحدة بإدخال المواطنين إلى مقرها.

في صباح يوم ٢٧ كانون أول/ديسمبر، وصلت أصوات المدافع إلى داخل مدينة ملكال. عند الساعة العاشرة اتصل بي وزير الإعلام الولائي من فلوج وأبلغني أن الحكومة سوف تصل ملكال، وأنهم يريدون فتح الإذاعة بعد أن تم طرد قوات التمرد من المدينة، خصوصاً أن ضرراً كبيراً لحق بالإذاعة الحكومية. وبالتالي لم تكن باستطاعته مخاطبة المواطنين عبرها. أبلغته أن المديرة هي المسؤولة عن فتح المحطة، واتفقا على أن نفتح الإذاعة من جديد صباح ٢٨ كانون أول/ديسمبر عند الساعة العاشرة صباحاً. 

كانت الوضع سيئاً جداً، لا مياه للشرب ولا غذاء. يومان ونحن بالكاد نحصل على الماء والعصير.

داخل مقر بعثة الأمم المتحدة كانت الوضع سيئاً جداً، لا مياه للشرب ولا غذاء. يومان ونحن بالكاد نحصل على الماء والعصير. كانت هذه أصعب مرحلة. عندما تجاوزناها بعد الحرب، قررت ألا اعود هناك مجدداً، مهما كانت الظروف. 

في صباح يوم ٢٨ كانون أول/ديسمبر، خرجنا إلى المدينة. وصلنا السوق الكبير الذي تم نهب وحرق أجزاء واسعة منه. على أطراف الشوارع رأيت جثث الناس. كانت تلك أول مرة في حياتي أشاهد جثث الموتى. كنت أحسبهم واحداً بعد الآخر إلى أن توقفت لكثرتهم. 

معظم الجثث لأطفال متشردين قُتلوا أمام الدكاكين. كان صديقي الذي يرافقني خائفاً، لهذا قررنا أن نعود إلى معسكر الأمم المتحدة، بعد أن التقطت صوراً لكتابة تقرير لموقع النيلان. لن أنسى عنوان ذلك التقرير: سوق ملكال الرئيسي منهوب وجثث في الشوارع. 

عند الساعة الواحدة بعد منتصف النهار، اتصلت بي مديرة المحطة وأخبرتني أن المحطة سوف تفتح الساعة الثالثة، وعلي أن أكون حاضراً. بعد فتحنا للإذاعة تحدث وزير الاعلام، فليب جيبني أوقال، وبدأت مدينة ملكال تشهد عودة المواطنين إلى بيوتهم. أغلقنا الإذاعة عند السادسة مساءً. كنا ثلاثة فقط في الإذاعة: الوزير ومديرة المحطة وأنا، بالإضافة إلى حراس الوزير. خرجنا من المحطة بسيارة الوزير وافترقنا في حي ملكية، فقد قررت أن أعود إلى مقر الأمم المتحدة حيث صديقي. كان هناك مخبز واحد يبيع الخبز للناس. فكرت أن آخذ معي بعض الخبز، لكن الانتظار طال، وأنا أنتظر في الصف حتى بدأ الظلام، فقررت العودة إلى المقر دون خبز.

قضيت تلك الليلة مع غرباء قبلوا أن أنام تحت سطح منزلهم.

في الطريق إلى مقر الأمم المتحدة لاحظت أن شوارع المدينة خالية تماماً. كنت أسير لوحدي. أنا هنا بين مقر البعثة والمدينة. تشتت أفكاري في تلك اللحظة. ولخطورة الطريق بسبب انتشار أفراد الجيش بأسلحتهم في مواقع الارتكاز، قررت العودة إلى حي ملكية الأقرب لمكاني آنذاك، لعلي أجد مكاناً أنام فيه. كان الظلام دامساً والخوف يطوقني. طرقت باب منزل وطلبت منهم مكاناً للنوم. رفضت الأسرة استقبالي، فواصلت محاولاتي. نصحتني امرأة مسنة أن أبحث عن مكان أنام فيه بدلاً من السير في الليل. طرقت باب منزل آخر، وأخيراً وجدت من رحب بي. قضيت تلك الليلة مع غرباء قبلوا أن أنام تحت سطح منزلهم. في صباح اليوم التالي، واصلت مشواري إلى أن عدت إلى الإذاعة. عملت بعد ذلك في الإذاعة لثلاثة أيام متتالية وحيداً، دون زملائي. 

كانت أيام عصيبة في مدينة ملكال منذ أن بدأت هذه الأحداث اللئيمة. في ظرف خمسة أيام تغيرت ملامح مدينة ملكال، حيث أصبحت مهجورة تماماً؛ دكاكين السوق خالية، جثث الناس في الشارع. ترك معظم السكان المدينة آنذاك، ولكنني قررت البقاء بحكم مهنيتي كصحفي. في آخر المطاف كان علي الرحيل أيضاً. عند الساعة السادسة والنصف يوم ١٧ شباط/فبراير ٢٠١٤، تركت مدينة ملكال، ودارت أسوأ معارك الحرب هناك في اليوم التالي، صباح يوم ١٨ شباط/فبراير. 

هذا التقرير يقع ضمن ملف:
#خمسة: تعال بالباب
جميع مواضيعنا متوفرة لإعادة النشر. نرجو الاتصال بنا عبر عنوان بريدنا الالكتروني عند إعادة نشر تقاريرنا، صورنا أو أفلامنا.