الإعلام عبر التعاون وفي التحول
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
niqash.org
correspondents.org
English

معضلة القاش السنوية - لا مفر لسكان الشرق

حامد إبراهيم
نهر القاش يحطم أرقاما قياسية هذا العام ويحاصر مدينة تواييت ويقطع الطريق القومي كسلا-بورتسودان، ووالي كسلا يتوعد بالتعامل بحزم على كل من يتلاعب بالجسور الواقية.
22.08.2016
نهر القاش، ٢٥ يوليو\تموز، ٢٠١٦. (الصورة: النيلان | حامد إبراهيم)
نهر القاش، ٢٥ يوليو\تموز، ٢٠١٦. (الصورة: النيلان | حامد إبراهيم)

في كل خريف يظل سكان مدينة كسلا والمدن والبلدات الواقعة على ضفاف نهر القاش يحملون قلوبهم على أكفهم خوف أن يفيض النهر المتمرد عليهم وعلى ممتلكاتهم.  

خوفهم ليس نابعا من أوهام أو تخيلات ولكن من تجارب مؤلمة وليالي كئيبة عاشها سكان كسلا على وجه التحديد ومعهم سكان مدينة أروما بفعل فيضانات النهر الجامح، كان آخرها قبل عامين حين اجتاح القاش مدينة أروما الوادعة، محدثا بها دمارا كبيرا، وقبلها كسلا سنة ٢٠٠٧ عندما اجتاح حي غرب القاش وجزء من حي السوريبة.

عندها ألقت حكومة الولاية في ذلك الوقت المسئولية على السناجب التي اتُهمت بحفر جحورها الكثيرة أسفل أساسات الجسر الواقي لغرب القاش، مما تسبب في خلخلة الجسر وعبور التيار الجارف الذي اجتياح حي غرب القاش.

ولم يكن التبرير مقعنا وقد نال قدر من سخرية بعض كتاب الأعمدة في ذلك الوقت ولكن أثبت لأهلنا الطيبين في كسلا وغيرها أن الحكومة لا يعجزها إيجاد مبررات لأخطائها مهما عظمت.

الوالي آدم جماع آدم وبحضور اللجنة العليا لطوارئ الخريف يعقد مؤتمرا صحفيا ويطمئن الناس

جرفت السيول الطريق القومي الرابط بين الخرطوم ـ كسلا ـ بورتسودان، حيث تعطلت حركة المرور تماما بعد أن اجتاحت السيول الطريق عند جسر ترعة متاتيب على بعد حوالي ستين كلم إلى الشمال من كسلا، وغمرت مسافة طولها حوالي ألف وخمسمائة متر من الطريق. 

 

معضلة القاش السنوية - لا مفر لسكان الشرق

#كسلا | #السودان - فيضانات القاش. (فيديو: النيلان | حامد إبراهيم)

Posted by theniles.org on Monday, 22 August 2016

 

صرح المهندس محمد علي أحمد، مدير الغيط بمشروع القاش الزارعي، لـ 'النيلان' في أواخر يوليو\تموز الماضي، أن ارتفاع المياه بلغ أكثر من ١٩٠ سنتمترا، وعزا سبب السيول إلى انهيار فم متاتيب السرايا قبالة قرية ١٨عيسى الحاج. تسبب ذلك مثلا في عودة البصات والناقلات القادمة من بورتسودان أدراجها. 

وكانت اللجنة العليا لطوارئ الخريف التي يترأسها الفريق شرطة كمال جعفر، وزير التخطيط العمراني، قد عقدت مؤتمرا صحفيا بمباني فضائية كسلا، بحضور والي الولاية آدم جماع، يوم ٢٦ يوليو\تموز. أوضح الوالي آنذاك أن موقف الفيضان ما زال تحت السيطرة وأنه تمت معالجة بعض الكسورات التي حدثت في بعض المناطق خاصة قبالة مدينة تواييت، التي أصدرتها المياه من كل جانب.

وقال رئيس اللجنة كذلك إنه زاع المنطقة فرقة أعضاء اللجن للوقوف ميدانيا على الوضع. ونفى الوزير وجود خسائر في الأرواح مضيفا أن حكومته تولي سلامة الناس أهمية قصوى.

أما الوالي جماع فقط اتهم من وصفهم بـ "ضعاف النفوس" كسر الجسور الواقية للمدن من فيضان القاش ليحصلوا على مكاسب زراعية ذاتية طفيفة. "قبضنا على البعض منهم  متلبسين بجريمة إحداث ثغرات في بعض الجسور من أجل زراعة بضع فدادين لأنفسهم أو حماية بضع فدادين تخصهم من تدفق المياه."

وأضاف الوالي كذلك أنه تم القبض على آليات ثقيلة  لودر تستخدم في ذات الغرض وسيتم تطبيق القانون على هؤلاء بحزم وقوة حتى يكونوا عبرة لكل من تحدثه نفسه بالتلاعب بأمن وسلامة البلاد. 

ورغم تطمينات كل من الوزير والوالي، إلا أن القيادي بمحلية ريفي أروما، أحمد محمد، أكد أن "هنالك خسائر كبيرة وأن إنسان قرى القاش يعيش أوضاع إنسانية معقدة جدا نتيجة اجتياح النهر لعدد من القرى المتناثرة، منها قرية المحموداب التي تحاصرها المياه من كل جانب". وقد أكد هذه المعلومة أيضا رئيس اللجنة العليا لطوارئ الخريف الذي أوضح أنهم عجزوا عن الوصول إلى هذه القرية نتيجة للمياه وكذلك قرى شمال مكلي كقرية فوتا وغيرها.

وزير الزراعة بولاية كسلا : ما جلبه القاش من مياه حتى الآن ونحن في بداية فصل الخريف يعادل نصف معدل فيضانه السنوي 

أبدى وزير الزراعة بولاية كسلا الدكتور إدريس الفكي تفاؤلا حذرا من مستوى فيضان النهر هذا العام. "معدل الفيضان كبير جدا" يؤكد الوزير مضيفا أن نصف المياه التي يجلبها القاش في المتوسط قد أتى بها حتى الآن، ونحن في بداية فصل الخريف مما يعني أن هذا العام سيكون جيدا من حيث الزراعة في دلتا القاش. 

من جانبه كان المهندس الطيب محمد يوسف مدير وحدة ترويض القاش أكثر تفصيلا للمعلومات حيث أوضح بأنه إذا اعتُبر العام ٢٠١٤، عام أساس حيث أنه شهد أكبر فيضان للقاش في تاريخه الحديث فإن مؤشرات هذا العام تفوق هذا الرقم. "القاش كان قد سجل في العام ٢٠١٤ حتى يوم ٢١ يوليو ١٨١ مليون متر مكعب، فيما سجل القاش هذا العام في ذات الفترة حوالي ٣٠٠ مليون متر مكعب" مؤكدا أن نصف الكمية التي يحتاجها مشروع القاش قد وصلت بالفعل. مؤكدا أنهم بدأوا العمل هذا العام مبكرا  مما ساهم في وقاية مدن الولاية رغم المعدلات العالية للنهر.  

سجل نهر القاش صباح الاثنين ٢٥ يوليو\تموز ٢٩٠ سنتمترا، مقتربا من أعلى فيضان سجله في العقود الماضية وكان ذلك في العامين ٢٠٠٣ و٢٠٠٧، عندما وصل إلى ٣٢٠ سنتمرا. 

لم تستطع حينها ضفتي النهر احتمال تدفق المياه، وفاض القاش على أحياء مدينة كسلا محدثا فيها دمارا كبيرا وكارثة بيئية ما تزال ذكراها المؤلمة عالقة في نفوس أهل كسلا من الذين عايشوا تلك الأيام العصيبة. 

وكان القاش قد سجل ذات الرقم حوالي أسبوعين قبل ذلك، ولكن سرعان ما عاد إلى المستويات الطبيعية. 

وقد ظل الوالي آدم جماع ومعه رئيس وأعضاء اللجنة العليا لطورئ الخريف يسجلون زيارات متكررة لضفتي النهر لأخذ صورة زهنية عن الأوضاع فيه، كما ظلت غرفة الطوارئ بقيادة قوات الدفاع المدني ف حالة انعقاد دائمة بمقرها تحت كبري القاش بالضفة الشرقية للنهر، وهو أمر وإن كان جيدا ويعكس اهتمام حكومة الولاية بالقاش وسلامة المدينة العريقة من الغرق، إلا أنه أمر غير كاف لطمأنة الناس. 

الذي يطمئن الناس هو العمل المبكر وتوفير المعينات اللازمة للجهات ذات الاختصاص ممثلة في وحدة ترويض نهر القاش. وكما يقول المثل الشعبي "القاش يكسر قبالة مدينة تواييت ويهدد بجرف شارع الأسفلت الرابط بين كسلا وتلكوك 

مساء الاثنين ٢٥ يوليو\تموز، استمر القاش في فيضانه المرتفع لأكثر من ٤٨ ساعة كاملة، وهو وصفه مدير وحدة ترويض نهر القاش المنهدس الطيب محمد يوسف بـ "نادر الحدوث". 

أثّر استمرار ما سماه يوسف بـ "الموجة الطويلة" على تماسك الجسور الواقية، ففاض القاش خارج مجراه الطبيعي قبالة تواييت، مهددا بجرف شارع الأسفلت الرابط بين كسلا وتلكوك والذي يمر بمحازات تواييت.

تم تدارك الأمر من قبل السلطات بالسرعة المطلوبة وقد سجل والي كسلا آدم جماع زيارة إلى المناطق المتأثرة ووجه بتكثيف المراقبة وبذل مزيد من الجهود لتأمين سلامة البلدات الواقعة بالقرب من مكان الكسر، وعلى رأسها مدينة تواييت، التي تعتبر المدينة الثانية في محلية تلكوك من حيث العمران والكثافة السكانية، وتقع على الضفة الشرقية للقاش على بعد حوالي ٥٠ كلم شمال مدينة كسلا.